تونس تفقد المفكر الأبرز في هذه العقود الأخيرة: هشام جعيط، المؤرخ الفيلسوف

غادرنا يوم أمس هشام جعيط بعد حياة علمية وفكرية استثنائية جعلت منه المفكر الأبرز الذي عرفته تونس في تاريخها المعاصر ..

برز هشام جعيط تونسيا وعربيا ومتوسطيا بكتاب غير معتاد في الثقافة العربية الإسلامية آنذاك وهو لم يستوف بعد الأربعين من عمره: «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» الصادر لأول مرة باللغة الفرنسية سنة 1974،وأنهى هذه المسيرة الفذة منذ أشهر قليلة بكتاب ضمّنه خلاصة تفكيره في التاريخ البشري وعلاقته بالمقدس وفي العلاقة التي اشتغل عليها كثيرا بين الدين والفلسفة .
هذا الكتاب أيضا بالفرنسية وقد صدر عن دار «سيراس للنشر» في فيفري 2021 تحت عنوان «Penser l’histoire, penser la Religion».
لماذا وصفنا هشام جعيط بأن أكبر مفكر في تاريخ تونس المعاصر – قبل وفاته لا بعدها – وهو أيضا من أكبر وأهم المفكرين العرب خلال نصف القرن الأخير إن لم نقل كذلك انه أهمهم وأكثرهم فرادة وأغزرهم علما وأعمقهم نظرا وتأملا ..
هشام جعيط مؤرخ واختصاصه هو تاريخ الإسلام المبكر وأطروحة الدولة حول الكوفة بالفرنسية،صدرت ترجمتها بالعربية في بيروت عن دار الطليعة سنة 1986 «الكوفة نشأة المدينة العربية الإسلامية «.ولكن هشام جعيط مؤرخ من طراز خاص وله سعة اطلاع تتجاوز بكثير مجال اختصاصه ثم هو يملك ثقافة فلسفية قلّ وان توفرت لغيره بما يجعل نظره في الحدث التاريخي نظرا تأويليا فلسفيا يريد من خلاله استكناه الكينونة البشرية في زمكانيتها في الآن والهنا،فهشام جعيط وهو يدرس الأحداث ويفسر خلفياتها والتحولات الاجتماعية والعقائدية والسياسية التي تفسرها،هو ايضا يؤرخ للأفكار وللثقافة ولحياة البنى الذهنية،ولعل الكتاب الذي عبّر عن اكتمال النضج الفكري وعانق به الراحل الكبير الإبداع في كل صفحة،بل في كل فقرة هو كتاب «الفتنة : جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر»والذي صدر في طبعته الأولى بالفرنسية سنة 1989 عن دار «قاليمار» وترجم إلى العربية سنة 1992 وصدر عن دار «الطليعة ببيروت» .
لقد كان هشام جعيط شغوفا بتاريخ الإسلام المبكر وبتداخل الديني والسياسي والاجتماعي وبتاريخ الأفكار التي كانت بصدد التشكل والتبلور وهو يراوح بين نظر المؤرخ الفاحص للجزئيات والفيلسوف واضع المفاهيم لإضاءة الحدث وتفكيك ما يخفيه من عناصر مادية وذهنية وروحية في آن واحد .
ويعد كتاب «الفتنة» الكتاب الأهم بإطلاق (عربا ومسلمين ومستشرقين) والذي ألقى أضواء جديدة وعميقة على فترة الخلافة الراشدة والفتنة الكبرى التي قضت عليها ..
لن نتمكن من ذكر كل مؤلفات ومساهمات هشام جعيط ولكننا لا يمكننا ألا نذكر الثلاثية للسيرة النبوية والتي امتد صدروها على خمس عشرة سنة وقد كتبها الفقيد مباشرة بالعربية إذ كان يرى أن المعنيين الأوائل بهذه السيرة هم القراء العرب ..
فرادة هشام جعيط في المشهد الفكري العربي لا تتأتى فقط من جمعه بين التاريخ والفلسفة بل وكذلك من رفضه لغرور «التأسيس الجديد» فهو لم يرد تأسيس مدرسة إيديولوجية بغطاء فكري يكون هو شيخها ويحيط به مريدون يلهجون باسمه .
هشام جعيط عاش ومات مفكرا حرا نقديا لا يرتهن لأي تيار فكري وتلك كانت فرادة لا يكاد يشاركه فيه أحد من كبار المفكرين العرب في نصف القرن الأخير هذا،وقد انعكس ذلك في كتابته للتاريخ فلا كان تمجيديا كجل من كتب في التاريخ الإسلامي من المسلمين،ولا كان إنكاريا مرتابا بل كان مؤرخا بكل ما في الكلمة من عمق كما قاله قبل قرون واضع علم التاريخ والاجتماع عبد الرحمان بن خلدون فالتاريخ «في باطنه نظر وتحقيق،وتعليل للكائنات ومباديها دقيق،وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق».
الكتاب الأخير لهشام جعيط «التفكير في التاريخ، التفكير في الدين» يمثل ولا شك خاتمة أعماله ومفتاحها أيضا إذ فيه يتجلى نظر المفكر في التاريخ البعيد للبشرية،وتفكير المؤرخ في التديّن كواقع تاريخي وتأمل الفيلسوف في الدين كنزوع إنساني لمعانقة المطلق،وهنا يظهر هشام جعيط في ثوب المحاور لكبار الفلاسفة الغربيين بمختلف مدارسهم حول الدين وعلاقته بالإنسان والقيم والمجتمع ..
عرّف هشام جعيط نفسه في كتابه الأول «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» بأنه علماني هادئ لا ينظر إلى الدين من الداخل التمجيدي ولا من الخارج المنكر له،بل من داخل الخارج ومن خارج الداخل أي بمسافة نقدية لا تنفي التعامل المنفتح معه ..
لقد ظل هشام جعيط وفيا لهذا النهج حتى صعب تصنيفه،فالمفكر الفذّ يخترق المدارس والمناهج وهو عصي عن كل تصنيف .
هشام جعيط لم يرد أن يؤسس لمدرسة فكرية،لكنه مدرسة تاريخية وفلسفية أشعت على أجيال من الباحثات والباحثين،وبهذا المعنى سيبقى هشام جعيط بيننا لا فقط بمؤلفاته الكثيرة بل وأيضا بأعمال أجيال من المؤرخين الذين تكونوا على هذا النهج الصارم وعلى الانفتاح على تاريخ الأفكار عامة والفلسفة خاصة ..
لقد فقدت تونس مفكرا أصيلا تجاوز إشعاعه العلمي والفكري الناطقين بالضاد وعشاق لغة موليار ..انه الفكر العميق الذي يلامس الكونية أيا كان موضوع بحثه وتأمله ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا