الحصانة وما أدراك ما الحصانة: بين مقتضيات الفصل بين السلط ومخاوف الإفلات من العقاب

شكل موضوع الحصانة البرلمانية منذ العهدة النيابية السابقة معضلة هامة في علاقة التونسيين بنوابهم وقد ترسخت فكرة أن الحصانة قد تعني الإفلات

من العقاب وأن النائب ليس كسائر المواطنين خاصة إذا ما انتمى الى الأغلبية الحاكمة،وزاد هذا الاعتقاد ترسخابعد الاتهامات الخطيرة التي وجهها النائب راشد الخياري في فيديو لرئيس الدولة وعدم استجابته لبطاقة الجلب التي وجهها له القضاء العسكري ثم رسالة تمسكه بالحصانة.. كذلك طلب القطب القضائي المالي رفع الحصانة عن النائب غازي القروي وتأكيد رئيس الجمهورية أن 25 نائبا مطلوبون لدى العادلة مقابل إنكار ذلك من قبل النائب المكلف بالإعلام عن كتلة حركة النهضة ماهر مذيوب ..
الواضح أن هنالك مشكلة ما، لا فقط في سعي بعضهم للإفلات من العقاب – وهذا مؤكد – ولكن كذلك لوجود بعض الغموض في النصوص المنظمة لرفع الحصانة في الدستور وفي النظام الداخلي ولغياب نص قانوني دقيق ينظم هذه العملية في القانوني الجزائي ..
الحصانة البرلمانية ليست بدعة تونسية بل هي قاعدة أساسية لأنها تضمن الفصل الفعلي بين السلط بعدم وضع نشاط النائب – لاسيما عندما ينتمي إلى المعارضة – تحت مزاج السلطة التنفيذية والتي قد توظف السلطة القضائية من أجل إخماد الأصوات المزعجة ..
الحصانة نوعان كما شرح لنا ذلك أستاذ القانون العام سليم اللغماني ..

• حصانة تامة بمعنى عدم المؤاخذة القانونية على كل الأعمال والآراء والاقتراحات التي يقوم بها أو يبديها في «ارتباط بمهامه النيابية» كما يوضح ذلك الفصل 68 من الدستور ،وعدم المسؤولية هذه شاملة ودائمة ولا تسقط بانقضاء المدة النيابية.. أي أن أقوال وتصريحات النائب،مثلا، مادامت متعلقة بوظيفته كنائب. أما الثلب وما شاكله فيكون موجبا للعقوبات التي يضعها النظام الداخلي. ولعل المفهوم القانوني الأدق هو عدم المسؤولية (بالمعنى القانوني للكلمة) بدلا من الحصانة ..

• أما الأفعال والأقوال والممارسات التي قد يأتيها نائب خارج مهامه النيابية فهي خارجة عن مبدإ عدم المسؤولية ويمكن مقاضاته من أجلها ولكن لو تمسك النائب هنا بالحصانة كتابيا عندها لا يمكن تتبعه أو إيقافه إلا متى رفعت عنه الحصانة ،وهذا هو مقتضى الفقرة الأولى من الفصل 69 من الدستور،بينما تتعلق الفقرة الثانية بحالة تلبس النائب بجريمة والتي لا يمكنه فيها التمسك بالحصانة،بل أن غاية ما في الأمر أن يعلم رئيس مجلس النواب بإيقاف النائب وأن ينتهي الإيقاف – دون انتهاء التتبعات العدلية – لو طلب مكتب مجلس النواب ذلك .

ماذا يعني كل هذا ؟ لو تم رفع دعوى قضائية ضد نائب في مسألة لا تتعلق بمهامه النيابية يكون هذا النائب متقاضيا عاديا شأنه شأن عموم التونسيين ولقاضي التحقيق أن يدعوه بل وان يصدر بطاقة جلب في حقه لو رفض الحضور للتحقيق معه ،ولكن هذه الإجراءات تتوقف – وقتيا – لو تسمك النائب حضوريا أمام قاضي التحقيق (أو عبر إعلامه بطريقة أخرى) بالحصانة كتابيا،وهنا يكون من حق الجهة القضائية أن تطلب رفع الحصانة عن النائب المعني في مراسلة (عبر وزارة العدل) إلى رئيس مجلس نواب الشعب.

وهنا يأتي الباب الرابع من النظام الداخلي للبرلمان ليوضح مآلات هذا الطلب القضائي وفي النهاية تنظر الجلسة العامة في مطلب رفع الحصانة ،وتكون هذه الجلسة سرية وفق الفصل 32 من النظام الداخلي ولكن يبقى الإشكال الأكبر في تكييف التهمة الموجهة لنائب ما وهل أنها تندرج – ولو بصفة غير مباشرة – ضمن مهامه أو أنها سياسية كيدية أم أنها من تهم الحق العام ولا علاقة لها البتة بالمهام النيابية ؟ من له القول الفصل في هذا ؟ القضاء أم مجلس نواب الشعب ؟

نحتاج بداية إلى نص قانوني واضح يتعلق بتعريف هذه المفاهيم الأساسية وبمسألة رفع الحصانة النيابية وهذا ما اقترحته وزارة العدل في نقاشها مع اللجنة البرلمانية المختصة،المنطق يقول أننا هنا أمام اختصاص مشترك قضائي وبرلماني ولكن لمن تؤول الكلمة الأخيرة ؟ لمجلس نواب الشعب في كل الأحوال ما دام هو الجهة التي تتولى رفع الحصانة من عدمها.
مرة أخرى نقول أن الأساسي: لا يكمن في النصوص بل في نزاهة تطبيقها وفي مثالية القائمين على الشأن العام ،أما عندما تريد أغلبية ما حماية نفسها ونوابها بكل الوسائل والطرق عندها نكون قد وضعنا إسفينا قاتلا في جسد ديمقراطيتنا المعتلّ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا