فشل في تدبير أزمة Covid-19

أعلن رئيس الحكومة في آخر تصريح له، أنّ هذه الحكومة تعاني من التراكمات والأخطاء التي ارتكبتها الحكومات السابقة من جهة،

ومن تصلّب مواقف الرئيس ومن يحومون حوله، من جهة أخرى ممّا يجعل عسر إدارة الأزمة أو الفشل في تجاوزها مبرّرا. وبعيدا عن أشكال التنصّل من المسؤولية وعدم الاعتراف بأوجه التقصير والتغافل والاستمرار في سياسات التعامي عن خرق الدستور والقانون وعدم الاكتراث بهدم الأسس التي قام عليها مسار «البناء الديمقراطي» يحقّ لنا اليوم أن نتساءل: هل يعتبر رئيس الحكومة أنّه قادر بالفعل على إدارة الأزمات المتفاقمة؟ وكيف تدار الجائحة على المستوى السياسيّ والصحّي والاقتصادي والاجتماعي والنفسيّ؟ وهل أمكن لنا اختبار نجاعة السياسات التي صيغت في هذا السياق، وقوّة الحوكمة؟
تسمح لنا متابعة قرارات الحكومة التونسيّة وإدارتها للأزمة ومقارنتها بما يجري في المغرب على سبيل المثال الوقوف عند علامات التدبير الحسن أو العكس. فبينما تعاملت الحكومة المغربية بكلّ جديّة مع الوضع واستعدت لمواجهة الأزمة، وإنجاز الحملات التوعوية للتلقيح وفرضت ضبط سلوك الناس في الشارع، وفي أماكن العمل وسائر المؤسسات بقوّة القانون، وراقبت مدى امتثال المسؤولين للتراتيب الصحيّة وأشادت بتحوّلهم إلى قدوة، وفرض المسؤولون احترام الاجراءات الصارمة وطبّقوا القوانين، ورسموا سياسة دعم تخصّ من هم في وضع هشّ، ونجحوا في عمليات التلقيح... كان الارتباك واضحا في المثال التونسيّ وتجلّى الانقسام بين إرادة خدمة المجموعة وإرادة إنقاذ مصالح بعض القوى السياسيّة وأصحاب الأموال وغيرهم فبرزت الهنات على أكثر من مستوى.

فقد كان عدد من الوزراء والنوّاب وغيرهم من المسؤولين مثالا واضحا على عدم الانضباط والاستهتار، وعدم التقيّد بالإجراءات الصحيّة بل وصل الاستخفاف بالقوم حدّ تنظيم مسيرة لدعم الحكومة اختلط فيها الحابل بالنابل، ولا غرابة في ذلك إذ لازال البعض ينظر إلى الجائحة على أنّها عقاب من الله بسبب خروج النساء في الجنائز ، وتطاولهنّ على الرجال أو بسبب انتشار الانحراف الأخلاقي والبعد عن الدين، ولذا فإنّ الحلّ يكمن في الرجوع إلى الإسلام إذ «لا للتساهل مع الوباء، والرجوع الحقيقي إلى الله هو المناعة الكبرى... قال تعالى: «ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين». (نور الدين الخادمي)
ولئن كان ردّ فعل شرائح واسعة من المجتمع على التوصيات والتعليمات والإجراءات متوقعا فهو شكل من أشكال «العقاب» المسلّط على الحكومة التي خذلتهم أو هو «انتحار جماعي» عملا بقاعدة «عليّ وعلى أعدائي» أو «أحرق نيرون روما» فإنّ اللامقبول هو إهدار المسؤولين في أعلى هرم السلطة، للوقت والجهد في التناحر حول التموقع والسلطة والامتيازات والمصالح وعدم الانكباب على معالجة الجرائم المرتكبة في حقّ التونسيين. والواقع أنّ عدم الثقة في المسؤولين وفي قدرة الدولة على الخروج من الأزمات يجعل الدعوات إلى التعويل على الذات ، وعلى التضامن الجماعي والتنظم ضمن دوائر المجتمع المدنيّ تتضاعف بل إنّ الدعوة إلى التحرّر من سياسات الحظر والمنع صارت تلاقي تجاوبا مع من اعتبروا أنّ المستفيد الوحيد من السياق هو أهل السياسة الذين يرغبون في فرض الهيمنة وإرساء علاقات تسلطية توظف القانون لتحقيق المصالح وخدمة اللوبيات الفاسدة .
لا نخال رئيس الحكومة غير مدرك لما ستؤول إليه الأمور فعندما تشتدّ الأزمات يضيق الخناق على الأفراد وتكثر علامات القلق والتوتر والخوف والاضطراب النفسي ويصبح البحث عن الملجإ والمخلّص وحبل النجاة الشغل الشاغل لعامّة الناس، ويصبح البحث عن الخلاص الفرديّ أولويّة الأولويات. ولئن كانت مواقف التونسيين من الحياة/الموت/المرض وردود أفعالهم إزاء سياسات التجويع والتفقير، وسلوكهم في هذه الأزمنة الصعبة تختلف باختلاف السنّ والجنس والطبقة والفقر وغيرها من المحددات فإنّ الجامع هو تحقّق القطيعة على المستوى السياسي والشعور بالإحباط والمرارة لأنّ هذه الحكومة فشلت على أكثر من مستوى ولم تستطع أن تبني الثقة و أن تؤسس ثقافة إدارة الأزمات وتمنح التونسيين بصيصا من الأمل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا