صورة سعيد في خطاب النهضة: التلميذ في حضرة المعلم ...

قراءة موقف النهضة من رئيس الدولة لا تتوقّف، في تقديرنا، عند ما ورد في البيان من عبارات تحذير وُجّهت للرئيس حتى «ينضبط»،

إذ يُعضد البيان بتصريحات 'الهاروني «باعتباره متحدّثا من موقع رئيس مجلس الشورى، وهو كما نعلم، ما «ينطق عن الهوى». فبالرجوع إلى خطاب الرجل ننتبه إلى الطريقة التي تُبنى بها الأنا (الجماعيّة /النهضة) وكيف يتمّ التسويق لها إعلاميّا. فالنهضة حسب الهاروني، كانت ضحيّة النظام السابق ولكنّها اليوم «أوّل حزب في البلاد»، وهي حكمت في مرحلة الترويكا، وحرصت على «تحييد المؤسسة الأمنية» وكان من المفروض أن تحكم ولكنّ حرصها على «السلم الاجتماعية» ومصلحة البلاد جعلها تتنازل وتتكيّف مع السياق الجديد حيث استعصى العمل بمقولة التوافق. ومن هذا المنطلق تبدو النهضة حزبا «ديمقراطيا» مؤمنا باحترام الدستور والقانون والدولة ونزاهة القضاء بل هي «مدرسة في الحزب المدنيّ الديمقراطيّ».
وإذا ما تحدّثنا عن «مدرسة» فإنّنا نستحضر بالضرورة صورة المعلّم وسلطة التأديب التي تطوّع الآخر حتى يمتثل للقرارات والأوامر والنواهي. فمن حقّ المعلّم أن يضرب وينهر ويشتم ويمنع ويقرّع المتعلّم. فـ«سعيد» الوافد على عالم السياسة «خرق الدستور» و«داس على القوانين» و«تعدّى على صلاحيات رئيس الحكومة''، وأضحى يخوض حربا ضدّ» الدولة، والدستور والديمقراطية والبرلمان ورئيس الحكومة، والأجهزة الأمنية والقضاء والإعلام ولذا وجب على »الغنوشي»/المؤدّب (وهو الذي قضّى سنوات في التدريس) أن يلجمه ويؤنبه ويحذّره وإن اقتضى الأمر يوجّه له «ضربة معلّم» ... ومن علامات التأديب استعمال أسلوب الترهيب والوعد والوعيد و«الشيطنة» والتأثيم. وهكذا تصنع صورة الأنا وفي الوقت ذات، صورة الآخر.
لا يتموقع «الغنوشي» باعتباره المعلّم/المؤدّب، فقط بل هو الأب الذي يرى نفسه صاحب القوامة والوصيّ على الآخرين باعتباره أكثرهم دراية بدواليب الحكم وأحسنهم قدرة على التدبير السياسي. وهذه الذات المتعالية تستقي أهم مقوّماتها من صورة الحاكم التقليدي الذي كان يُنظر إليه على أساس أنّه الأب الذي يسوس الجميع، ويتصرّف في مصير من هم «تحته» في نظام سياسيّ تماهى مع ركائز البطريركيّة. فالحاكم/الأب من حقّه أن يعاقب من تمرّد وعصا ويؤلّب الجميع ضدّه ، ومن حقّه أيضا أن يشجّع الممتثلين لأوامره والمنضبطين لقيم الطاعة والولاء والذين يبدون في نظره، في حاجة دائمة للرعاية والدعم. ومهما تقدّم الإبن في السنّ وخبر الحياة فإنّه يبقى الطفل الذي لن يكبر في نظر هذا الأب.
وبناء على التصوّر يبقى «سعيد» في نظر «الغنوشي« الطفل الذي لم يفهم كيف تدار السياسة فسلّم أمره لمن يتلاعب بعقله :»ساكنو القصر، ومن هم في باردو، والأطراف الخارجيّة'. ونظرا إلى أنّ المعلّم/ المؤدب/الأب/الحاكم يخاف على أبنائه فإنّ من واجبه أن يصوّب اعوجاج القصّر قبل أن يحيدوا عن الطريق.كما أنّ مسؤوليّة الأب تحتّم عليه أن يحمي الإبن وأن «يخاف عليه».
والظاهر أنّ الغنوشي يتصوّر نفسه أو يتصوّر أتباعه أنّه صار المؤتمن الوحيد على الثورة، والديمقراطية، والانتقال الديمقراطي والشعب بعد أن كان الممثل الرسميّ للإسلام في تونس. وباسم الدفاع عن الثورة وحماية المكتسبات يتخذّ الخطاب النهضوي اليوم منهجا جديدا فتعلو نبرة «التصعيد» وتوجّه الرسائل الشديدة اللهجة إلى من أضحى يمثّل «مشروع دكتاتور جديد».
وبين صورة الأب المجبر على تأديب ابنه المنقلب على السلطة الأبوية وفرض الوصاية والمتمردّ على قانون الأب يفقد الخطاب انسجامه الداخليّ وترتبك النفوس، وتضيع بين المعلن والمضمر فتتشابك النصوص «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين» و«َلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ». وليس لنا إلاّ أن نردّد «لله عاقبة الأمور».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا