مؤسسات الحكم والأزمات الصحية والاقتصادية والسياسية: ثلاث اجتمعت معها ثلاث

ليس من البلاغة استعارة ابيات للشاعر تميم البرغوثي من قصيدته في القدس «يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً، فالمدينةُ دهرُها دهرانِ» . دهر زهري مطمئن

يستوطن فيه الماسكون بالحكم ودهر اخر تعيشه البلاد وأهلها على وقع الازمات التي اعتصرتها وجعلت سنواتها عجافا تركت لتواجهها بمفردها دون مؤسسات حكم.
ولا مبالغة في هذه الاستعارة. فواقع البلاد يكشف انها تركت دون «حوكمة» لتجابه اجتماع جائحتين.أولاها صحية، وقد ارتفعت اصوات المختصين في المجال الصحي لتنذر بخطورة الوضع الوبائي الذي بتنا فيه: ارتفاع نسق انتقال العدوى بالكورونا واقتراب المنظومة الصحية من الانهيار والعجز عن التكفل بالمصابين الجدد وتوفير الرعاية الطبية المناسبة لهم.
هذه الاولى، اما الجائحة الثانية فهي ما اعلنه وزير المالية علي الكعلي يوم الخميس الفارط في مجلس النواب، من ان البلاد لا يمكنها سداد اقساط ديونها او صرف الاجور وجرايات التقاعد ان لم تقترض وعليه فلا يجب ان يبدى نواب البرلمان استغرابهم مع كل اتفاقية قرض تعرض عليهم للمصادقة عليها كما أنه عليهم الاسراع لتمكين الحكومة من تعبئة الموارد المالية للإيفاء بتعهداتها.
لكن رغم حقيقة أوضاعنا الصعبة على كل المستويات الصحية والمالية والاقتصادية والاجتماعية. يستمر التعاطي غير العقلاني من قبل الماسكين بمقاليد الحكم- رئاسة وحكومة ومجلسا - وكأنه طالب لهم المقام في «كواكبهم» فدفعوا في اتجاه «التطبيع» مع ازمة سياسية وجعلها «امرا عاديا» وجب التعايش معه في انتظار ان تتحقق لأحدهم القدرة على حسم الازمة لصالحه.
ازمة تقترب من اتمام شهرها الثالث في ظل فتور محاولات الوساطة والحل التي قوبلت بتحركات وقراءات من خارج مجالات الفعل السياسي العقلاني، فانتهى الامر الى ان يقع اللجوء إلى انتظار ان تشتد الازمة اكثر لعل في ذلك ما قد يدفع باتجاه الحل.
هذا الظن هيمن على اطراف الأزمة. فجعلهم غائبين فعليا عن ادارة البلاد. لتوكل المهمة منذ اشهر لـ«الادارة» التي تسير الشؤون اليومية وفق الهامش المتاح دون القدرة على الاستشراف او الاستباق ومنع وصول البلاد الى ما هي عليه اليوم. كارثة صحية وإفلاس مؤجل وصراعات سياسوية تفاقم الازمة.
فالناظر الى الوضع العام بالبلاد يمكنه ان يدرك ان ازمتها تكمن في الغياب الكلي للحوكمة التي حالت دون ان تكون ادارة الشأن العام ناجعة. وان حال البلاد قد لا يختلف كثيرا عن الوضع الراهن إذ هي تعاني من فراغ على رأس مؤسسات الحكم. فحالها لن يكون اسوء مما هي عليه اليوم ان لم يكن لها رئيس جمهورية او رئيس حكومة او برلمان. فثلاثتهم غير قادرين على ادارة البلاد وأجهزتها وحسن حوكمتها للخروج من ازمتها.
ثلاثي قد يكون وجوده بالصراعات التي تشقه احد اسباب التعثر وتقييد ادارة الشأن العام اليومي على الاقل. فالجلي ان الصراعات بينهم انعكست بأشكال مختلفة على الإدارة التونسية وجعلت التعاطي مع الازمات يقف عند حدود دنيا تسير البلاد كل يوم بيومه.
وبذلك فقدت البلاد واجهزتها القدرة على الاستشراف واستباق الازمات وتوفير الطاقات لمعالجة ملفاتها ذات الاولوية ضمن تصور لا يقوم على اطفاء الحرائق متى نشبت بل يؤسس لممارسة الحوكمة الناجعة للدولة واجهزتها، لتكون قادرة على القيام بدورها تجاه شعبها.
فالدولة في النهاية لها وظائف وادوار تلعبها غير لعب دور رجل المطافئ الذي يطارد الحرائق حين اندلاعها، بل هي كيان يخطط للمستقبل الذي فقد جزءا كبير من التونسيين ثقتهم فيه.
مستقبل إذا اردنا ضمانه وجب توحيد الازمنة، اي ان يلتحق الماسكون بزمام الحكم بواقعنا الفعلي، وهو انهم في مجابهة جائحة وافلاس وانهيار للدولة، اي انهم في زمن يستوجب وجود مؤسسات حكم تتقاسم الحد الادنى المشترك من التصور والتخطيط وهذا لن يكون إذ لم يقع مراجعة كيفية ادارة شؤون البلاد بما يضمن حوكمة ناجعة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا