مع ضيق أفق السلطات الثلاث: تونس في فقر سياسي مدقع ...

عند مراجعة ما كتب خلال العشر سنوات الماضية عن الأوضاع في تونس ، يمكن استعمال الأرشيف لنشر مقال مطابق لحالات

و أوضاع و مواقف تتكرر بصفة دورية، ويكون ذلك حتي متابعة الإعلام لها و نشر التعاليق عليها في مختلف الوسائط الإلكترونية أو المكتوبة أو المرئية.
نفس المعارك و التجاذبات تتكّرر في مجلس ممثلي الشعب أو في الحكومات المتعاقبة أو في مجال القضاء و العدل، مع اختلاف في مؤدي الأدوار و في طرق العرض، و في المضطلعين بالأدوار الأولى في المراكز الرئيسية أو الثانوية .
هذا الاختلاف أدى إلى تغيير المشاهد، و غياب العديد من الشخصيات الّتي انسحبت عن طواعية أو بحكم إختيارات الناخبين، ومعهم إنطفأت شعلة بعض التشكيلات السياسية والأحزاب أو الشخصيات العامّة والسياسية، ودلفت إلى الخشبة شخصيات أخرى كان حضور بعضها بضربة حظ أو «بأفضل البقايا» الّذي جاء به النظام الإنتخابي.
في هذا الإطار ازدادت الأوضاع تقهقرا وإنكشفت شيئا فشيئا حالة الفقر المدقع في الطبقة السياسية ، و«من لا يتقدم يتقادم أو يتأخر» .. وأكبر دليل على ذلك الفشل حتى في تجميع النخب حول طاولة حوار للبحث عن سبل تجاوز مختلف الأزمات الّتي تعيشها البلاد .
و من المفارقات أن الاختلاف، تحوّل إلى تباين في تعريف الحوار و نطاقه و كيفية إدارته، كما حصل عند إستبدال رئيس الجمهورية للحوار المباشر بين الاطراف السياسية المقترح من الاتحاد العام التونسي للشغل، بالحوار الرقمي مع الشباب ، في مسعى للتقليل من شأن الحوار الجاد و إفراغه من مضمونه،و هو نفس الأمر الّذي تابعناه تقريبا سنة 2013 قبل تقبّل فكرة الحوار الوطني برعاية الرباعي الراعي للحوار.
إن المراوحة طيلة العشرية في نفس المكان ، تقيم الدليل على أن المتحكمين في مسار «الديمقراطية الفتية « هم أنفسهم الّذين يمسكون بآليات الحكم في تونس والمسيطرون على التوجه الذي يسعون إلى تكريسه بلا رجعة. هؤلاء هم قيادات النهضة و أتباعهم الدائمين والعرضيين والّذين يبذلون جهودهم للبقاء في السلطة مهما كان الثمن و لو كان ذلك على حساب مصلحة البلاد وهو أمر لا يريد المصطفون وراءها التسليم به و يتشبثون بقدرتهم على التغيير في كنف هذه السيطرة التنظيمية على دواليب الدولة.
هذه السيطرة ليست بالأفكار البناءة و الخلاقة، وليست بالخطط الاقتصادية والسياسية المؤدية إلى التغيير والتقدّم ، وإنّما تتمّ في اتجاه تجميد الحركة و شل سبل التجاوز ،و الإبقاء على مواطن التوتر و التفرقة ، و الخوض الدائم لحرب المواقع بكل أشكالها ، بدءا من التهرئة و الإستنزاف ، نهاية بأشكال العنف المادي والمعنوي لإزاحة الخصوم.
وما يساعد على نجاح خطة قيادات النهضة ومؤيديها السياسيين و الماليين في الدّاخل والخارج، عدم إلتفاف معارضيهم وإرتكابهم لأخطاء بدائية تكاد تكون نفسها ، بشكل يسهّل فشلهم في اتباع مسار واحد دائم ومتناسق، يفضي إلى كسر الإستقطاب ،و ذلك ببث وعي مواطني جديد. هذا الوعي المنشود هو الّذي يجعل الفئات الواسعة تؤمن بقدراتها، و تكتسب بواسطته منظمات المجتمع المدني الطامحة للتقدّم ،الخبرة للتمكّن من تحفيز كل الطاقات الوطنية للتخلص من الانتظارية ووضعية الجلوس على الربوة ، و الإقبال على العمل القاعدي والتأطير الصحيح للحفاظ على ما تحقّق من مكاسب و لمزيد تحقيق مكاسب جديدة بواسطة رؤى جديدة للتنمية الاقتصادية والمساهمة في إخراج البلاد من الأزمة.
إن الدوران في حلقة مفرغة و مجاراة الأحداث بسلبية و التسليم بإنسداد الأفاق أمام كل نفس إصلاحي أو تصحيحي، و رجم الآخر بكل النعوت، دون أي مبادرة فاعلة لتغيير السائد، يوسع الشعور بالإحباط. كما أن الرؤية الضيقة لأفاق الحل، وفتح عدّة جبهات في نفس الوقت،دون إمتلاك إمكانية التجميع حول أفكار، ودون إمتلاك القدرة على الفعل في المجتمع السياسي، عوامل لا تفضي إلى تغيير موازين القوى بل تساهم في إبقاء الحال على ماهو عليه.
إن تعويل فئات واسعة من الشعب على رئيس الجمهورية ، دون ظهور بوادر جادة للحل، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية له ، إذ أن التسليم بانسداد كل الآفاق سيفضي إما إلى الإنفجار و إما إلى الإستكانة السلبية، خاصّة إذا غاب الخطاب المطمئن والمتفاعل إيجابيا مع القوى الوطنية. والمؤسف حقا أن ما يتابعه المواطن العادي من خلال حياته اليومية ومتطلباتها، أو ما يتابعه المواطن المهتم بالشأن العام من ردود فعل من رئاسة الجمهورية أو ما يتابعه في مجلس نواب الشعب و في تصرفات رئاسة الحكومة لمجابهة الأزمة السياسية والاقتصادية، وما يقف عليه المتقاضي والمتابع في مجالي القضاء و العدالة من مشاكل على كل الأصعدة ، كلها معاينات تعمّق حالة النفور والإحباط و تضاعف المخاوف من المستقبل القريب قبل البعيد. تلك هي قراءة للواقع المعاش و من خلالها دعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا