رسائل «شارع «النهضة إستعراض للقوة... أم تظاهر بها ؟

الأكيد أن حركة النهضة سخرت امكانيات كبيرة في سعي لاستعراض قدرتها على حشد أنصارها و مؤيديها من مختلف جهات الجمهورية التونسية

وذلك لإنجاح المسيرة التي دعت إليها يوم أمس السبت 27 /2 /2021. و لكن لم تتوصل هذه الحركة الّتي لا يخفى تصدعها ، إلى تحقيق ما رغبت فيه ،و إنما أمعنت في التظاهر بالقوّة كما يتضح من تصريحات قياداتها الّتي تحدثت على عشرات الآلاف من المشاركين، في حين أن مصادر «المغرب»، أكدت أن العدد كان بين ثمانية وعشرة آلاف مشارك فقط.
هذا يؤكّد أن خيار دعوة حركة النهضة إلى النزول إلى الشارع ، كان مخاطرة ومغامرة غير مبرّرتين، الأمر الّذي جعل بعض قياداتها يعلنون عن عدم مشاركتهم و عن عدم إنخراطهم في هذه الدعوة و تمّ التعبير عن ذلك صراحة، في حين أبدت قيادات أخرى عدم تحمسّها، لمساندة خيار الغنوشي و المقربين منه، بل ذهب بعضهم أكثر من ذلك ، بدعوة الغنوشي إلى التنحي تماما عن القيادة وذلك في تقييم سلبي لقترة قيادته.
إلا أن الغنوشي تمسك بدعوته و حرص على توجيه رسالة أولى، في اتجاه قيادات النهضة الّتي تعارضه و المستقيلين من حركته ، من خلال تضخيمه لأرقام المشاركين، كي يؤكد لهم أنه مازال قياديا قادرا على التعبئة والقيادة و بالتالي تفنيد المشككين فيه. وهي نفس الرسالة الثانية، الّتي وجهها لأتباعه و مؤيديه و المتحالفين معه ، لطمأنتهم على «رصيده الجماهيري» الّذي يتراءى له أنه هام جدا.
و لكن الرسالة الثالثة الّتي أراد الغنوشي تبليغها كانت في اتجاه رئاسة الجمهورية ، والحزب الحر الدستوري ،و ربما المتابعين في الخارج ، ليقول بأنه هو الآخر قادر على التعبئة وحشد الشارع ، و أن لحركته رصيد ضخم ،و ذلك بعد أن أظهرت استطلاعات الٍرأي تواصل إنهيار رصيده الشعبي.
ولكن المتابع لشعارات هذه المسيرة ، يلاحظ أن حركة النهضة استنزفت الشعارات القادرة على التأثير و توسيع التأييد والتعاطف معها، وظلت تلوك نفس الشعارات السابقة، الّتي لم تعد تُقنع و يصعب تصديقها، مثل دعوتها للحوار و الوحدة الوطنية و دعوة كل التونسيين بمختلف أطيافهم السياسية للمشاركة في العمل السياسي الكفيل بتمكين تونس من تجاوز الأزمة الّتي تعيشها .
هذا ما كان يخشاه بعض قادة حركة النهضة عند تنبيه زعيمهم إلى مخاطر هذه الدعوة . فحركة النهضة هي المتواجدة على الدوام في السلطة ،و ما تعيشه تونس اليوم ، هو نتيجة لسياسة الحكومات المتعاقبة الّتي كانت حركة النهضة تستأثر فيها بأهم المواقع السيادية ، «بغواصات» مختلفة و متجدّدة ،و تسيطر من بوابات مختلفة ، على مفاصل الدولة .
لذلك بدت دعوة النزول إلى الشارع من أطراف ماسكة بالسلطة ، تنمُ عن التخوّف من الشارع الذي يشكل في الحقيقة مهرب و ملجأ المعارضين و الفئات الشعبية المتضرّرة من السياسات المتبعة ونتائجها الكارثية على المواطنين. هذا ما خلّف الإنطباع بأن خيار اللّجوء إلى الشارع ،تُحركه نزعة التخويف من إمكانيات التصادم والترهيب مما يمكن أن يتوفّر من حشد شعبي (تحت الطلب) في صورة فشل الحوار الممنهج الّذي تريده حركة النهضة .
فالظرف الّذي تم فيه إقرار النزول إلى الشارع، ليس لمواجهة خطر داهم من الخارج، و ليس بغاية كسب تأييد شعبي لقضية عادلة، و إنما جاء في ظرف تعطلت فيه لغة الحوار بين الرئاسات الثلاث ، بسبب خيارات تنسجها، النهضة والمتحالفون معها بصفة مباشرة في مجلس نواب الشعب و تديرها بالوكالة في الحكومة بواسطة رئاسة الحكومة و بطريقة تعمّق الخلافات بين هياكل الدولة وداخل المجتمع السياسي.
إن راشد الغنوشي الحامل للمظلتين في رئاسة حركة النهضة و مجلس نواب الشعب والماسك بخيوط السلطة في حكومة المشيشي، هو الشخصية الأقل قدرة على توجيه أي رسالة في الظرف الراهن من خلال دعوته وتزعمه لمسيرة 27 فيفري الجاري لإقناع الرأي العام بأن قلبه على مصلحة تونس و لطمأنته على أوضاع البلاد ، ولإقناعه بأن النهضة ليس سببا مركزيا في الأزمة التي تعيشها البلاد.
لذلك يكمن القول أن الرسائل الّتي أراد الغنوشي تبليغها -سواء لأتباعه أو لمنافسيه- عادت أمس للمرسل ، و لم تحقق أي جديد، بل كشفت أن حركة النهضة ، استنزفت مخزونها من سبل الإقناع بجديتها في خدمة مصلحة البلاد، وبرهنت على أنها تدور حول نفسها في محاولة للإيهام بكونها بصدد البحث عن الحلول لتجاوز الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد ، وفي كل ذلك تأكيد على مزيد إنحسار الإسلام السياسي و توجيه رسالة خاصة للغنوشي لتسأله الرحيل...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا