إيقاف النزيف: الفشل الأكبر لحكومة المشيشي

تغلق البلاد اليوم الأسبوع الرابع لهذه الأزمة العبثية التي تكاد تعصف بما بقي من أركان الدولة... وتتعدد المبادرات لمحاولة إيجاد مخرج لهذا الوضع السريالي

كما تتعدد المواقف والآراء بخصوص مختلف مستويات المسؤولية في ما آلت إليه البلاد والمآلات المنتظرة لمستقبل حكومة هشام المشيشي ..كل هذا والأزمة تزداد استفحالا يوما بعد آخر دون أن نرى بوادر جدية لتجاوزها ..
عندما يُحاسب رئيس الحكومة عن التعهدات التي قطعها على نفسه يتم إبراز الجوانب السياسية العامة فقط كمسألة «حكومة كفاءات مستقلة تماما» أو الحلف غير المعلن الذي ربطه مع رئيس الجمهورية وحول المسؤولية الأخلاقية والسياسية لصاحب القصبة في هذا الوضع الغريب الذي آلت إليه الأمور.. ولكننا هنا سنهتم بمسألة أخرى ندر وأن تحدثنا عنها وهي الوعد الذي قطعته هذه الحكومة على لسان رئيسها حتى قبل تشكلها بأنها حكومة إنجاز ستتصدى أساسا لوقف النزيف والمقصود هنا بالطبع نزيف المالية العمومية بما يعنيه من تفاقم المديونية وعجز الميزانية.. وهذا العهد لا يرتبط كثيرا بالحسابات السياسوية بل فقط بما هو رغبة هذه الحكومة في إنقاذ الأوضاع المالية للبلاد من هذا التردي العميق المتراكم سنة بعد أخرى والذي زادته جائحة الكورونا سوءا على سوء.

هل التزم هشام المشيشي بما وعد به ؟ وهل نجد في سياسة الحكومة الحالية ما يفيد بداية إيقاف النزيف أم لا ؟

الجواب، للأسف الشديد،هو أن الحكومة قد ألقت بهذا الالتزام عرض الحائط ولم تكتف بمسايرة النزيف بل زادته إيغالا بحثا عن شراء سلم وهمية فحيثما تفاوضت الحكومة قطاعيا أو جهويا إلا وزادت في الإنفاق العمومي إما تحت ذريعة تواصل الدولة (كتفعيل كل الاتفاقيات السابقة مع اتحاد الشغل أو اتفاق الكامور ..) أو تنفيذا لقوانين سنتها أغلبيتها البرلمانية (تشغيل من طالت بطالتهم) أو لحلّ على غير الصيغ القانونية للأزمة التي دامت أسابيع مع القضاة أو الوعد بانتداب الدكاترة المعطلين عن العمل أو توسيع قاعدة المنتفعين بالمنحة الجامعية أو تسوية وضعية عمال الحضائر...
والنتيجة أن الحكومة قد التزمت بإنفاق ما يقارب ملياري دينار أي حوالي نقطتين من الناتج المحلي الإجمالي دون أن تقول لنا من أين ستأتي بهذا الأموال الإضافية وكم ستكون كلفتها وهل ستنجر عنها ضرائب إضافية أم مزيدا من التداين؟
لاشك أن هنالك وضعيات اجتماعية ومهنية تستدعي مراجعة عاجلة وأن دفع عجلة النمو يستوجب نوعا خاصا من الإنفاق العمومي وأن إيقاف النزيف عملية معقدة تتطلب قوة تفاوضية خارقة وقدرة على إقناع الرأي العام بضرورة تضحيات مدروسة من أجل إنقاذ سفينة تونس – ولاشك أيضا أن سياسة إيقاف النزيف هي سياسة غير شعبية ولن تجد الحكومة من يدعمها ويشد أزرها فيها ..

ولكن لِم التعهد بما لا تجتهد الحكومة حتى مجرد الاجتهاد من أجل احترامه؟

الخطر في سياسة كهذه – وهي سياسة جلّ الحكومات السابقة – هو حصول اقتناع عند عموم المواطنين بأن أزمة المالية العمومية إنما هي أكذوبة تستعملها الحكومة لسلب الناس حقوقهم في التنمية والعيش الكريم بدليل أن كل ضغط اجتماعي كان متبوعا بإنفاق حكومي..
في المحصلة حكومة المشيشي لم تكتف بالفشل الذريع في سياسة «وقف النزيف» ولكنها خلال نصف عام من وجودها لم تعمل بالمرّة وفق هذا الشعار الجميل وكأنه كان تسويقا انتخابويا كذلك الذي تعمد إليه جلّ الأحزاب السياسة في بلادنا ..الإخفاق الأكبر لحكومة هشام المشيشي لا يكمن في تغيير تحالفاتها السياسية قبل ولادتها ولا في اعتمادها على حزام سياسي فيه مزيج نادر من التطرف والانتهازية،الإخفاق الأكبر هو عدم إيمانها بشعارها المركزي «إيقاف النزيف» وعدم الدفاع عنه وبل التخلي الطوعي عن هذا الطموح فقط من اجل البقاء بشراء سلم اجتماعية جزئية ووهمية في آن واحد..
الإخفاق السياسي لهذه الحكومة لا جدال فيه، ولكن إخفاقها الاقتصادي والمالي اشد خطرا وأعمق أثرا على حاضر البلاد ومستقبلها..

والسؤال المحيّر هو لِم الحرص على البقاء في السلطة دون مشروع إصلاحي ولو جزئي للبلاد ؟ !

لقد أصبحت أيام الحكم أهم من أعماله ..
حكومة المشيشي،وقبلها حكومة الشاهد وبدرجة أقل حكومة الحبيب الصيد وكذلك حكومة الياس الفخفاخ.. هي كلّها حكومات محصلتها الوحيدة أنها تعسّر من إصلاح أوضاع البلاد لأنها لم تجرؤ بما فيه الكفاية على الدفاع المستميت على الإصلاحات الضرورية وخيّرت أعمال الواجهة على الأعمال الباقية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا