على وقع تفاقم الأزمة السياسية في البلاد والبحث عن مخرج ما: في صعوبات الخطوة الأولى

لقد قيل كل شيء، عن الأزمة السياسية الحادة التي تعيشها البلاد،وعن الصراعات الطفولية لأجنحة السلطة المختلفة وعن تمترس كل فريق حول ما يعتبره حقّه وصلاحياته وشرعيته ومشروعيته ..

ولقد أضحى من الواضح أن لا أحد يملك حسم الموقف لصالحه وهزم خصومه كما أنه بيّن بأن لا أحد مستعد،فعلا، للقيام بخطوة تخفض من درجة الاحتقان وتفتح مجالا ما للتفاوض ..

كل يوم يمرّ –ونحن في هذه الحالة– تفقد فيه البلاد فرصا إضافية للتفرغ لمشاكلها وللملفات المعقدة المطروحة عليها، فالبحث عن مخرج ما للأزمة لم يعد اليوم مسألة أخلاقية أو سياسية تكتيكية، انه مسألة حيوية لو أراد كل الفرقاء وعموم التونسيين ألا تضيع البلاد بين أيادينا..
الإشكال الأساسي أننا لا نملك اليوم جهة مرجعية مقبولة من الجميع لحسم هذه الخلافات وتهدئة نار الصراعات، جهة قادرة على بناء ثقة ولو نسبية بين أهم أطراف النزاع حتى تقنعهم، على الأقل، بضرورة الجلوس حول نفس طاولة الحوار..

لقد سبق للأستاذين سليم اللغماني ومحمد الفاضل محفوظ أن اقترحا، كل من جهته، هيئة تحكيمية تتألف من مرشحين من قبل رأسي السلطة التنفيذية للنظر في الخلاف القائم بينهما وللفصل فيه شريطة التزام طرفي النزاع بالنتيجة التحكيمية أيا كانت ..

كان بإمكان هذا المقترح أن يحل الأزمة لو كان مردها فقط اختلاف في القراءة القانونية والدستورية، ولكن التحكيم لا يحلّ مشكلة الثقة ولا كذلك اعتبار رئيس الدولة انه هو المسؤول الوحيد عن تأويل الدستور في غياب المحكمة الدستورية وبالتالي لا نراه يقبل بهيئة تحكيمية يكون قرارها ملزما له، علاوة على انه لا يعتبر نفسه ندّا لرئيس الحكومة فهو صاحب الشرعية والمشروعية الانتخابية والدستورية والشعبية وهذه كلها ميزات لا يراها اليوم في غريمه رئيس الحكومة ..

نفس الأمر يقال على اقتراح النائب ياسين العياري باللجوء إلى الرأي الاستشاري للجنة البندقية، فلا نخال رئيس الدولة يقبل أيضا بهذا،والواضح،أن القبول المشترك لرأسي السلطة التنفيذية بتحكيم ما هو شرط ضروري لقيامه..

بقيت لنا إمكانيتان لا ثالثة لهما: تراجع واضح لأحد طرفي النزاع بما في ذلك استقالة رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي باعتبار انه يشكل الطرف المتمم والداعم لرئيس الحكومة واستقالته من رئاسة مجلس نواب الشعب يمكن أن تكون خطوة إيجابية من أجل إعادة طرح مخرج مقبول لهذه الأزمة بصفة مختلفة تماما ..
إذا استحال هذا الحلّ – وهذا هو المرجح في نظرنا – فتبقى أمامنا إمكانية وحيدة وهي قبول الرباعي الذي رعى الحوار الوطني في صائفة 2013 ونقصد اتحاد الشغل واتحاد الأعراف ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين بلعب دور الوسيط النزيه في هذه الأزمة،أي دور الجهة التي قد تدعم بمنظمات أخرى وازنة والتي ستدعو لأمرين اثنين:
دعوة أولى لحلّ هذه الأزمة السياسية بدعوة أهم أطرافها من رئاسة جمهورية ورئاسة حكومة وأحزاب الموالاة والمعارضة في مجلس النواب إلى نفس الطاولة من اجل إيجاد حلّ ما تلتزم به كل الأطراف،

ويمكن لهذه المنظمات أن تستعين بشخصيات وخبراء من اتجاهات فكرية مختلفة،أي أن الحلّ الممكن في هذه القضية بالذات هو جهة ما بين التحكيم والحوار لها الشرعية الكافية للدعوة ولتأطير الخلاف ولفرض نوع من الحوار الذي انقطع منذ مدة بين أهم أطراف النزاع.
لاشك أن هذه المنظمات الاجتماعية والحقوقية الكبرى معنية أيضا بحوار سياسي واقتصادي واجتماعي عام يطرح خارطة طريق واضحة للتعامل مع أهم الملفات المطروحة على البلاد..ولكن دون نجاح هذه الخطوة الأولى لن يكون هنالك أي شرط لإمكان وجود هذا الحوار الأساسي.

لاشك أن وضع البلاد اليوم مغاير بصفة كبيرة لما كان عليه في صائفة 2013 بعد الاغتيال السياسي الثاني الذي ذهب ضحيته الشهيد محمد البراهمي وبعد تلك العملية البشعة التي استهدفت ثمانية من جنودنا البواسل في الشعانبي وما تلا كل ذلك من إيقاف أعمال المجلس الوطني التأسيسي واعتصام الرحيل الذي انتظم في ساحة باردو ..ولكن ما يجمع بين هاتين الفترتين هو عجز المؤسسات المنتخبة عن إيجاد حلّ عملي لهذه الأزمة بما يخوّل لأهم المنظمات الوطنية أن تلعب هذا الدور الذي اضطلعت به بنجاح في 2013 وإخراج البلاد من احتقان خطير كاد يؤدي بنا إلى نوع من الحرب الأهلية.

أما إذا ما رفض بعض أطراف النزاع دور هذه المنظمات في حلّ الأزمة السياسية عندها سيتحمل هذا الطرف أو هذه الأطراف المسؤولة كل تبعات استفحال هذه الأزمة واستمرارها وتعريضها البلاد لمخاطر لا نجرؤ حتى على مجرد التفكير فيها اليوم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا