من يحمـــي الأمنييـن من أنفسهم؟

يخيّم الصمت على أغلب هوّاة السياسة الجدد، وهم يعاينون الانتهاكات الأخيرة بحقّ الشبّان والشابات، ويصغون إلى خطابات قائمة على الترهيب والوعيد

و... خطابات تحثّ على الكراهية والنبذ، ولا تمت بأية صلة إلى العمل النقابي. فهل نسي «الحكّام» ما حدث منذ أشهر في الولايات المتحدة الأمريكية، من مواجهات عصفت بالنسيج الاجتماعي وأفضت إلى اتّساع رقعة الغضب الشعبيّ وكانت ذات كلفة عالية؟ ألم يتّعظ هؤلاء بالماضي القريب حين انطلقت الثورة وارتفعت الأصوات مندّدة «بالدولة البوليسية» وكثر الاعتداء على من يحملون الزيّ الأمنيّ؟ ألم يجد المنتمون إلى المؤسسة الأمنية صعوبة في إعادة بناء الثقة مع التونسيين ولولا انطلاق العمليات الإرهابية واستشهاد عدد من أبناء المؤسسة، وإنجاز جزء من الإصلاحات وخضوع عدد منهم لدورات تدريبة جديدة لما أمكن توطيد نمط آخر من العلاقات؟

ونميل إلى تفسير موقف الصمت بتصوّر يرى أصحابه أنّ القرارات يجب أن تخضع في هذه المرحلة الحرجة، لمنطق ترتيب الأوليات إذ ينبغي على من هم في السلطة، الانكباب على حلّ المأزق السياسي، والإطمئنان على المواقع، ومراعاة المصالح، ثمّ التفكير في «معالجة» بقيّة المشاكل. ويٌضاف إلى ذلك تواطؤ البعض ضمانا لامتيازاتهم فمادامت هشاشة الدولة واضحة، والإفلات من العقاب سنّة مترسّخة فليستفد الجميع من الوضع بما في ذلك القطاع الأمنيّ. ولا يمكن أن نتجاهل موقف فئة أخرى تصرّ على التقليل من شأن هذه التجاوزات بدعوى أنّ اختراق هذا الجيل الأرعن لكلّ الحدود يتطلّب اتّخاذ سياسات ردعيّة. ومهما يكن الأمر فإنّ صمت هؤلاء جميعا يقيم الحجّة على أنّهم أصبحوا جزءا من المشكلة ولا يمكن التعويل عليهم لإيجاد الحلول.

ولئن كان صمت أهل السياسة وأهل الاقتصاد وغيرهم من أصحاب المصالح مفهوما وتعمّد أغلب وسائل الإعلام بناء الأحداث من وجهة نظر محدّدة له ما يبرّره فإنّ المجتمع المدنيّ لا يمكن أن يبقى في وضع المشاهدة فللفرجة أصحابها وللحقوقيين/ات والناشطين/ات وبعض الجمعيات وقيادات الأحزاب مسؤوليات وواجبات وأدوار وتحركات تثبت أنّ المقاومة مستمرّة لاسيما بعد ظهور إرهاصات توحي بدخول البلاد مرحلة جديدة تنذر بالأسوإ. ومن آيات الانزياح عن مسار البناء الديمقراطي الرجوع إلى ممارسات قديمة خلنا أنّ المؤسسة الأمنية قد قطعت معها من قبيل خطف الناشطين/ات، وتهديد عائلاتهم/هنّ، واستعمال العنف بجميع أشكاله... وظهور ثقافة بوليسية ذكورية تحتفي بالشدّة والصلابة والقوّة والعنف لا يرى أصحابها حرجا في إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات نيابة عن القضاة ذلك أنّ اللجوء إلى القانون، لا يعدّ في نظرهم، السبيل الأمثل لفضّ النزاعات. وتكمن معالم هذه الثقافة البوليسية الذكورية في مستوى السلوك الفرديّ والجماعي وكذلك في مستوى اتخاذ القرارات وتنفيذها دون الاحتكام للضوابط المهنية والممارسات الفضلى، وهو أمر يكشف عن رغبة في إقامة علاقات تسلّطية ونزوع نحو الهيمنة الذكورية إذ كيف نفهم نعت الشابات بالعهر، وتعنيف عدد منهنّ ودعوتهن إلى الرجوع إلى البيوت وكأنّه لا حقّ لهنّ في الظهور في الفضاء العامّ ، والاحتجاج، والتعبير، والدفاع عن مطالبهنّ ... وعندما تصدر هذه الممارسات عن الذين يفترض أن يكونوا في خدمة المواطنات والمطالبين بتنفيذ القانون 58 لحماية النساء من العنف المسلّط عليهنّ فلا تتعجّب من ازدياد منسوب العنف، وحدوث فجوة كبرى بين القانون والواقع.

وعندما تبرّر هذه التصرفات بضرورة «تأديب من لم تربّها عائلتها» تلوح الأيديولوجيا الذكورية ويغدو النضال على أكثر من واجهة: دولة ذات ملمح أبوي تصوغ السياسات دون مشاركة النساء في أخد القرارات ، وأحزاب لا تمانع في إظهار كره النساء أو استبعادهن ، وإعلام لا يقرّ بأهميّة تشريك النساء، ومؤسسة أمنية لا ترى مانعا في استعراض القوّة وعسكرة الفضاءات ومؤسسة قضائية لا يحرجها الردع بأقصى العقوبات.

يبدو أنّ زمن الأزمات يفرض ردود أفعال تخضع للأهواء (الغضب، الرغبة في الانتقام، ...) وتحاول التأكيد على أنّ الأوضاع تحت السيطرة إذ كلّما ظهرت هشاشة الدولة للعيان لجأت إلى عسكرة الأمكنة وعرض المدججين بالسلاح للإيهام بأنّها قوّية وصلبة. ولكن من يحمي هذا الجمع من الأمنيين المروّجين للثقافة البوليسية الذكورية من أنفسهم ومن سموم الرجولة المهيمنة؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا