صراع أجنحة السلطة يحتدّ الحكومة في مهبّ الريــــــاح ...

عملية كسر العظام بين رئيس الجمهورية والأغلبية البرلمانية مع الحكومة التي تستند إليها قد بلغت حدّها عندما أكد قيس سعيد من جديد يوم أمس بمناسبة استقباله للامين العام لاتحاد الشغل

نورالدين الطبوبي أن موقفه ثابت من التحوير الوزاري الأخير وانه يرفض «الخروقات التي حصلت بناء على نصوص هي دون الدستور مرتبة» وفق البلاغ الإعلامي لرئاسة الجمهورية ..وهذا يعني أن رئيس الدولة لا يرفض فقط أن يؤدي اليمين أمامه وزراء جدد تعلقت ببعضهم شبهات فساد بل يرفض التحوير الوزاري كله لأنه استند إلى أحكام النظام الداخلي.
كما أكد رئيس الجمهورية في كلمته المصورة أثناء هذا اللقاء أن التفكير في اللجوء إلى نظرية الإجراء المستحيل لإقرار الوزراء الجدد دون أداء اليمين إنما هو من قبيل لغو الكلام لان هذا الفقه القضائي لا يعني إلا القانون الإداري ولا يمكن أن ينطبق بحال من الأحوال على القانون الدستوري.
الوضعية الحالية هي التالية : تغيير وزاري واسع أقره مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء قبل الماضي منح بموجبه الثقة إلى أحد عشر وزيرا ولكن لن يتمكن أي واحد منهم من أداء القسم أمام رئيس الجمهورية كما انه لن يصدر أي أمر رئاسي في الرائد الرسمي بتسميتهم ونضيف إلى ذلك ما أكده رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بأن التصريح بالمكاسب والمصالح

– وهو شرط من شروط المباشرة – لن يقبل من أي وزير جديد بصفته تلك ما لم تصدر التسمية الرسمية في الرائد الرسمي وكل هذا يجعل من أية محاولة للمرور بقوة أي مباشرة هؤلاء الوزراء لمهامهم دون هذه الشروط مجرد عبث ليس إلا ..
صحيح أن هنالك شبه إجماع لدى المختصين في القانون الدستوري على أن صلاحيات رئيس الجمهورية مقيدة في هذه المسائل،ولكن دون محكمة دستورية بإمكانها الفصل في تنازع السلط فصاحب الكلمة الأخيرة أي قيس سعيد هو صاحب القول الفصل كما بيّن ذلك مرارا الأستاذ سليم اللغماني .والنتيجة الحاصلة أننا أمام حكومة قد أقيل نصف أعضائها ولكن دون القدرة العملية على إنفاذ التحوير الوزاري وجعله أمرا واقعا .. ويكفي أن نتصور مئات الإمضاءات اليومية المتعلقة بهذه الوزارات لكي ندرك حجم الكارثة اليومية التي تعيش على وقعها البلاد للأسبوع الثاني على التوالي ..
لقد كان الأمل معقودا على إيجاد حلّ وسط للخروج من الأزمة ولكن حديث رئيس الجمهورية يوم أمس واضح وصريح : لا يمكن له أن يقبل بحلّ وسط مع المناورين والذين حنثوا في إيمانهم ..
اليوم يجد رئيس الحكومة هشام المشيشي في وضعية لا يحسد عليها وكأنه كطارق بن زياد بعد إحراقه لسفنه ولكنه تفطن بعد ذلك إلى أن جيوشه لا تملك لا العدّة ولا العتاد لمواجهة جيش العدو ..

المرور بقوة وفق مبدإ الإجراءات المستحيلة سيدق آخر مسمار في نعش الدولة لا لان هذا الحلّ غير دستوري ولكن حتى لو فرضنا أن المحكمة الإدارية ستقضي به في صورة طعن أي مواطن في أحد قرارات الوزراء الجدد فذلك سيضعف الدولة بشكل غير مسبوق وسيفقد الحكومة الشرعية الدنيا للمواصلة والاستمرار ..
لقد حشر هشام المشيشي في الزاوية وهو اليوم ليس مسؤولا فقط على استمرارية المرفق العمومي ونجاعته ولكن كذلك على شرعية ومشروعية حكومته.

هنالك مخرج وحيد لائق لصاحب القصبة : انتظار الأيام القليلة القادمة عساه يجد حلّا مرضيا ومقبولا مع رئيس الدولة ولكن إذا استحال ذلك – وهذا هو الغالب على الظنّ – فما عليه إلا أن يعيد الأمانة لان في استقالته – واستقالة كامل حكومته تبعا لذلك – حلحلة للأمر وفتح أفق سياسي جديد،وقد تكون هذه الخطوة تمهيدا ضروريا للعودة للناخبين ليقولوا كلمتهم الفصل في صورة تعيين رئيس (ة) حكومة جديد (ة) لا يحظى بثقة مجلس نواب الشعب .

ولكن حتى في هذه الصورة سيبقى إشكالان أساسيان :

1 - الانتخابات السابقة لأوانها ستحصل بنفس القانون الانتخابي أي أنها قد تفرز مشهدا برلمانيا فسيفسائيا يمنع ظهور أغلبية واضحة للحكم.

2 - حكومة المشيشي التي ستصبح حكومة تصريف أعمال قد تستمر مع ذلك لأشهر عديدة فهل سيتم التراجع عن إقالة الوزراء بداية وبأية شرعية سياسية ستواجه حكومة تصريف الأعمال هذه الاستحقاقات الصحية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الكبرى التي تنتظرها؟
أشهر عصيبة ستعيشها تونس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا