حتى نتجنّب حرب الكل ضدّ الكل !

عندما تسقط بلاد في أزمة شاملة تصبح مهددة بأمرين متضافرين: التفكك من جهة وحرب الكل ضدّ الكل من جهة أخرى ..

لاشك أن بلادنا ورغم تعفّن بعض أزماتها مازالت بعيدة نسبيا عن هذا المنعرج الخطير،ولكنها تقترب منه بسرعة متفاقمة وهي لا تجد الآن ما يكفيها من قوة حيوية (force vitale) لكبح جماح هذا الانهيار المنتظر ..
هنالك انجذاب فظيع للهاوية،انجذاب غير واع ولاشك ولكنه انجذاب جماعي حتى وإن اختلفت الأسماء والمسميات ..

كم كانت عظيمة صورة رجال الأمن يوم السبت الماضي في قلب العاصمة: حرفية وبرودة أعصاب رغم غضب الشباب المحتج حينها واستفزازه لهم كذلك..وهل تخلو مظاهرة احتجاجية واحدة من الاستفزاز وأحيانا من العنف اللفظي أو حتى المادي؟! ولكن تبقى العبرة في حسن التصرف حتى في بعض الحالات الحرجة..وإظهار القوة أمر محمود طالما كان هدفه الاستغناء عن استعمال القوة..

ولكن هذه الصورة الجميلة والفريدة أيضا في عالم أصبح فيه العنف القاعدة وضبط النفس الاستثناء لم تدم طويلا للأسف الشديد إذ شعر جزء هام من الأمنيين بالإهانة وأرادت إحدى النقابات الأمنية ردّ الفعل بالتجمهر والاحتجاج هي الأخرى وبتوجيه أقذع النعوت وأبغض الشعارات بعبارات تفوح منها رائحة السياسة بل وكذلك الحقد الإيديولوجي والتكفير أيضا واعتبار كل متظاهري يوم السبت الفارط مجرمين وشيوعيين وشواذ..

كما تعهدت نقابة أمنية بمنع التظاهرات مستقبلا إذا لم يكن مرخّصا لها ..

لا نريد أن نصب الزيت على النّار كما يقال ولا أن نشحن فريقا ضدّ آخر ..نريد أن نقول فقط أن الأمر خطير وأن هذا المناخ المتشنج بين الشباب المحتج و أعوان الأمن قد يخرج عن السيطرة بحكم رغبة أقليات نشيطة هنا وهناك دفع الأمور نحو الأسوإ.
في وضع البلاد اليوم كل شيء أصبح سببا ونتيجة في نفس الوقت واختلطت المسؤوليات ومستوياتها أيضا والخطر كل الخطر أن تذهب كل «قبائل» تونس المعاصرة إلى «معارك» الحسم وكل قبيلة تتوهم أن لديها القدرة على الحسم النهائي والانتصار على «العدو».
ما يخيفنا اليوم هو تضافر هذه المعارك و«توافق» جل «القبائل» على حتمية الصراع والحسم النهائي أي تنتهي «حروبنا» بغالب ومغلوب وأن يكون المغلوب صاغرا ذليلا خاضعا للغالب ولرغباته.

في هذه «المعركة» التي نتمنى عدم اندلاعها بين الشباب الثائر المحتج (وله الحق في التعبير عن ثورته واحتجاجه) وبين الأمنيين وفي كل المعارك الأخرى المعلنة والخفية بين قبائل تونس هنالك مسؤولية عظمى للطبقة السياسية التي تاهت جلّ مكوناتها في صراعاتها السياسوية الصغيرة وفي اعتقاد أحزابها الساذج أن ساعة الحسم قد دقت وان ثمارها قد أينعت وحان قطافها ..

كم تحتاج تونس –اليوم– إلى كل مدخرات العقل والعقلانية فيها عند الشباب وعند الكهول وعند الشيوخ..وعند النساء وعند الرجال ..عند الثائرين المحتجين وعند أعوان المناط بعهدتهم حفظ النظام العام حتى يطلقوا جميعا دعوة واحدة : السلم دوما أولى من الحرب وفض الخلافات بالحوار أفضل ألف مرة من اللجوء إلى العنف والحسم العنيف ..
لنتنازل لبعضنا البعض لا حبّا في الآخر، بل حماية للوطن وللمواطنات والمواطنين قبل أن نضطر صاغرين إلى التنازل لقوى أجنبية مالية أو سياسية لا يعنيها كثيرا نجاح عيشنا المشترك وصمود ديمقراطيتنا الناشئة رغم تعثراتها العديدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا