أمام استفحال االأزمة السياسية: دعوة إلى التعقل و الحوار الحاسم

قد يتباهى التونسيون بأنهم دعاة حوار وضالعون فيه،و بأنهم توصلوا في أكثر من مناسبة إلى تخطّي المآزق السياسية والاجتماعية لتجنب تعطيل سير المرفق العام

و دواليب الدولة و تجنب التصادم و العنف ،و لكن ليس لهم ألإدعاء أنهم حسموا الإشكاليات القانونية و السياسية التي تطرحُ في مسار البلاد منذ 2011.

و الدليل على ذلك أن آلية «التوافق» الّتي يقع اللّجوء إليها عند مجابهة أي مأزق ، لم توفّر الحل الحاسم والدائم، وإنما كانت وسيلة لتأجيل الحسم و تهدئة الأوضاع والسير إلى الأمام على أسس هشة و«رمال متحركة» لتخطي العقبات الطارئة والترميم السريع والظرفي للتصدع .

هذا «التوافق» الّذي وُصف بالمغشوش في أكثر من مناسبة ، لم يكن متعلّقا بمسائل تسيير عادية أو أعمال سياسية ظرفية أو مؤقتة ، و إنما شمل كل المجالات بما في ذلك المجالات المتصلة بتنظيم عمل الدولة ومؤسساتها و بوضع قواعد تشريعية عادية وكذلك سن قوانين أساسية هامّة ، بما في ذلك الدستور ، الّذي خضع لتصورات على المقاس لترضية أغلب المساهمين في وضعه ، مع منح الطرف الأغلبي الماسك بالمجلس التأسيسي آنذاك، نصيب الأسد في وضع ما كان يعتقد أنه مناسب له، إلى درجة أنه أصبح وثيقة تجميعية في الظاهر لجملة من التوجهات و الأفكار العامّة ، ولكنه كان ملغما في الباطن ،بتركه مفتوحا على كل التأويلات و القراءات.

فالسلطة التأسيسية الّتي كانت سيّدة نفسها لمدّة ثلاث سنوات ، أسست لمشروع نظام سياسي يحمل كمّا هائلا من العراقيل والفخاخ لتبقى الدولة في صراع دائم لحل التناقضات ولتترك المجال لتقنين التفكّك، والبحث الدائم عن حل الإشكاليات و تجاوز المآزق لذلك ما فتئت تونس تعيش خلافات متواصلة بسبب تأويل كل فصل و كل فقرة، وجرّاء السعي الدائم لتفسير مقاصد الأغلبية المؤسسة التي اجتهدت في وضع آليات كانت تعتقد أنها قادرة على التحكم فيها عند التمكن من الاستيلاء على السلطة دون منازعة من بقية المنافسين .

ونظرا إلى أن الدستور يعتلى هرم القوانين وهو المنظم للسلط وتوزيعها والمسطّر للنظام السياسي والمتحكم في التوازن الّذي جاء به، فقد حُرّر بالمخاتلة و التوجس، بشكل جعل هامش الفعل فيه محدودا ويفضي في كثير من الحالات إلى طريق مسدود ، وهو ما كان يستدعي عند حصول أي مأزق البحث عن المنافذ والتحايل لإيجاد الحلول. وقد حدث هذا، بالرغم من أن هذا الدستور لم ينجز على عجل، بل أخذ المؤسسون وفي مقدمتهم النهضة متسعا من الوقت لحبك الصياغة الّتي كانت تراها ملائمة ، مع استغلال عامل الزمن في تثبيت مواقعها وتمركزها في مفاصل الدولة.

هذه الدولة الّتي تفككت مفاصلها بالفعل، وفقدت الروابط المتينة الّتي تجعل كل مؤسساتها متماسكة، وإدارتها فاعلة، وهي الروابط التي كان من المفروض أن تشكّل عصب دولة القانون والمؤسسات ،الّتي تعمل بقطع النظر عن الأشخاص وتُسيّر بالآليات القانونية.

ولكن فقدت الآليات القانونية فاعليتها لخضوعها للتوافقات الظرفية و المؤقتة، وهي توافقات ادت إلى الـ«المرونة» و«التسامح» في تطبيق القانون، وتبرير الخطإ والإتيان بمثله، والدفع نحو ارتكاب الخطأ ثم اتخاذه ورقة للابتزاز والمساومة، لفرض خطإ أو تجاوز جديد، و هكذا دواليك إلى أن أصبح «التوافق» القاعدة ، وتحوّل تطبيق القانون، استثناءا.
هذا «التوافق» أدى أيضا إلى تشكل هيئات مستقلّة تسميه و لكنها خاضعة للمحاصة فعلا ،و ذلك بموجب نصوص قانونية واضحة وجلية، مثل ما حصل للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات وما يحصل بخصوص المحكمة الدستورية ، الّتي يتعطّل تركيزها لأسباب قانونية قبل أن تكون أسبابا سياسية.

فبعد عُسر وضع دستور جديد «أخذ من كل شيء بطرف» و أسس لنظام سياسي هجين، تتالت مصاعب وضع بقية المؤسّسات المستقلة نظريا و لكنها كانت خاضعة في الحقيقة إلى توازنات حزبية وإلى ضغوطات متواصلة ، كانت المحكمة الدستورية محطتها الأخيرة ، دون نسيان هيئة التنمية المستدامة و حقوق الأجيال القادمة و متممّات السلطة المحلية الّتي لم يقع النظر فيها بعد مرور خمس سنوات من وضع الدستور الّذي نص على إنشائها .

إن ما يتابعه التونسيون اليوم هو نتيجة كل التراكمات و الأخطاء و التلفيق، وما يحصل في المدّة الأخيرة، عجّل به رئيس الجمهورية -بإرادة أو عرضا- ، لرفضه التمادي في مجاراة السائد، وأيضا بإرادة واعية من الحزب الحر الدستوري، الّذي أصبح يتمسّك بكل التفاصيل، و لو بشكل مستفز أو بطريقة لا يتقبّلها البعض.

إن الإشكال ليس في قبول رئيس الجمهورية دعوة الوزراء الجدد لأداء اليمين أو في إقناعه بالتراجع عمّا صرّح به بخصوص شكليات إجراء التعديل الوزاري، لأن ذلك قد يقع فضّه بتطبيق القياس ، و«التوافق» برد المقترح إلى مصدره، مع ما يثبت جدية وجود شبهة فساد بخصوص بعض الوزراء، ولكن الإشكال و الخطر أن يتواصل التعامل مع كل الإشكاليات المطروحة ، بنفس الطريقة، دون الوقوف وقفة تأمّل جدية لتصحيح المسار الّذي تسير فيه تونس.

هذا التصحيح يمليه اتفاق كل مكونات المجتمع السياسي و المدني تقريبا على ضرورة التعديل والإصلاح، مع وقف التردي و تجنّب مزيد تقويض مؤسسات الدولة أو الدفع نحو التصادم .
من هنا تأتي الدعوة إلى التعقّل أي إعمال العقل للبحث عن الحلول الناجعة مع قطع الطريق مع مزيد التطاحن و تبعاته .

هذا ما يدعو إلى البحث عن سبل الحوار الحاسم لتجفيف منابع التوتر ومواطن الخلل الّتي أدت إلى انخرام التوازن المنشود. وقد يكون ذلك بتجميع كل المقترحات لحل الازمة ، وتشكيل هيئة حكماء تتشكل من اختصاصات مختلفة مشهود لها بالنزاهة و الاعتدال، وذلك بدعوة من رئيس الجمهورية، الّذي يسهر على حسن تطبيق أحاكم الدستور ويسهر على تذليل مصاعب تطبيقه بحكم مسؤوليته الدستورية . مهام هذه الهيئة من الحكماء تقتصر مقترحاتها التوجيهية على تعديل القانون الانتخابي والاستفتاء وبعض القوانين الأساسية التي تسبّبت بعض أحكامها في تعطيل المسار، وكل ذلك في أجل معقول ، دون تعطيل للسير العادي لدواليب الدولة ، في كنف الاحترام المتبادل و التفاعل الإيجابي ، الّذي يسهم في إذابة الجليد بين الرئاسات الثلاث المؤسسات ، التي كان من المفروض أن تتفق على الحلول ، لا أن تكون أطرافا أساسية في الأزمة .هذه خطوات أولية ممكنة يقع الإتفاق فيها على الأدنى ،إذا توفرت الإرادة و حصل الدفع الجاد في إتجاهها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا