الصراع في أعلى هرم السلطة على أشده: رئيس الجمهورية يرفض التحوير الوزاري شكلا ومضمونا

منذ أن بدأت المطابخ السياسية في الإعداد لتحوير وزاري تساءل العديد منّا، كيف سيتعامل رئيس الجمهورية مع تحوير محتمل يستهدف المحسوبين عليه ؟

وهل سيقبل بأداء الوزراء الجدد - على فرض نيلهم لثقة مجلس نواب الشعب – اليمين أمامه ؟ مع العلم أن أداء اليمين أمام رئيس الجمهورية هو شرط من شروط المباشرة لكل وزير ..وجاء الجواب واضحا وصريحا يوم أمس حين ترأس قيس سعيد مجلس الأمن القومي حيث قال أن من تعلقت به قضايا فساد أو تضارب مصالح أو من ستتعلق به في قادم الأيام لا يمكنه أداء اليمين وأن رئيس الدولة لن يقبل بهذا ..
كما عاب رئيس الدولة على رئيس الحكومة -بحضوره- خرقه للدستور عندما أقدم على تغيير هندسة الحكومة (حذف وزارة وكتابة دولة وتغيير مهام ومسميات وزارات أخرى) دون المرور على مداولة مجلس الوزراء وأنه لم يراسل الرئاسة حتى تكون هي التي تتحرى في التحوير الوزاري وأن تقوم هي بعد ذلك بمراسلة مجلس نواب الشعب ، كما أنه عاب عليه أن يعيّن نفسه بنفسه كوزير للداخلية بالنيابة في خرق للإجراءات على ما يذكر رئيس الدولة علاوة على امتعاضه من غياب النساء وقبل ذلك ما أشار إليه من مناورات الأحزاب وتحالفاتها الانتهازية كما أننا لا ندري من استهدف بقوله عندما أكد على وجود جهات تريد إحباط كل مبادرة يقوم بها رئيس الجمهورية ومن بينها مسألة استعادة الأموال المنهوبة .
كما كان لافتا الانتقاء الشديد لمن ينظّر لوجود قوة خارج الدولة في إشارة واضحة لرئيس مجلس شورى حركة النهضة بل زاد الأمر وضوحا عندما أكد أن رغبة كهذه ظهرت منذ المجلس التأسيسي أي وكأن الحركة الإسلامية مصرة – بالنسبة لرئيس الدولة - على إحداث نوع من المليشيات ..
والملاحظ كذلك هو النقد الخطير الذي وجهه الرئيس للدستور الذي قال انه قُد على مقاس وأنه لم يستجب لمطالب الشعب والثورة في الشغل والحرية والكرامة الوطنية ولكن وجّه نقده بعد ذلك إلى الحزام الحكومي الجديد وأنه يدوس على الدستور ويوظفه وفق رغباته وحسب فتاوى «مشائخه» .
الواضح على كل حال أن الصراع بين رئيس الجمهورية وأغلبية الحكم الحالي قد أضحت حربا مفتوحة وأن رئيس الدولة مصر على أخذ زمام الأمور بيده وأنه لن يسمح لهذه الأغلبية بالتصرف كما تريد وانه سيحمي الدولة ومؤسساتها من عبث الجميع حتى ممن كان مسؤولا في الدولة وفي أعلى الهرم .
لاشك أننا قد اعتدنا منذ أشهر على اللهجة الحادة لساكن قرطاج وإشاراته الواضحة حينا والمبهمة في أغلب الأحيان،ولكننا وصلنا يوم أمس إلى نقطة اللاعودة - في ما نعتقد- ولا يبدو لنا أن سير مؤسسات الدولة يمكن له أن يستمر على شاكلته القديمة. فالواضح أن العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية قد ساءت إلى درجة أصبح يستحيل معها تصور الحدّ الأدنى من الانسجام أو حتى التنسيق بينهما، والواضح أيضا أن قيس سعيد،على عكس المرحوم الباجي قائد السبسي، قد اختار التصدي الهجومي لصاحب القصبة ولحلفائه في قصر باردو وأنه لن يتوانى عن استعمال كل الوسائل المتاحة – حتى تلك التي تبدو غريبة شيئا ما – لمحاصرة ما يمكن أن نعتبرهم أعداءه لا خصومه السياسيين..
هل مازال من معنى للتحوير الوزاري الذي سيعرض اليوم أمام مجلس نواب الشعب ؟
اليوم وتحت قبة باردو هنالك موقفان لا ثالث لهما : أما الاصطفاف وراء رئيس الدولة وإعلان نهاية حكومة المشيشي أو خلق جبهة رفض للرئاسة واعتبار أن السلطة متقاسمة بين القصبة وباردو -أحبت قرطاج ذلك أم أبت - إننا لن نكون في كل الأحوال إزاء مناقشة جدوى وقانونية وشفافية التحوير الوزاري – حتى وإن حصل ذلك في الظاهر– بل أمام إحدى أهم معارك الأغلبية الحالية ضد رئيس الدولة رأسا وكل مسانديه داخل البرلمان وخارجه.
السؤال الأخير والأهم : ما الذي ينوي فعله رئيس الحكومة وهو الذي يفتقد للتفويض الشعبي على عكس رئيس الدولة ونواب البرلمان ؟ هل سيقبل الدخول الكامل والشامل في حرب كسر العظام بينه وبين رئيس الدولة ؟ ولمصلحة من سيقوم بها؟ أم انه سيكون وقودا لحرب تتجاوزه ؟ وهل بإمكانه مواصلة حكم البلاد في هذه الوضعية بالذات أم سيفضل رمي المنديل؟ وإذا رماه فلمن سيرميه؟ لقرطاج بالاستقالة أم لباردو لتشجيج من حزامه السياسي على ترشيح حكومة حزبية/حربية في مواجهة الرئاسة ؟
الجواب الأول كان اجتماع مجلس الوزراء مباشرة بعد انعقاد مجلس الأمن القومي واقرار تغيير هيكلة الحكومة فيه ولكنه تعرض للاحداثات ولم يُعرب بوضوح على اقراره للحذف.
الأرجح لدينا أن تونس ستنتقل من أزمة صحية واجتماعية واقتصادية وسياسية خانقة -إلى كل هذا تضاف- أزمة مؤسسات غير مسبوقة ..
الحوار الوطني قد قبر في المهد ،والأزمة الآن بلا أفق سياسي واضح ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا