10 محطات في الذكرى العاشرة للثورة التونسية: - IX- اللحظة الشعبوية (1)

الدرس الأساسي للانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جدّت في السنة التاسعة للثورة هو هزيمة ما يسمى بأحزاب المنظومة حكما

ومعارضة وانتصار الأحزاب والشخصيات المعادية لها ،أي انتصار الحركات والتيارات الشعبوية ..

ولكن ماهي الشعبوية وماهي شروط إمكانها وماهي التيارات والأحزاب والشخصيات والأفكار التي يمكن أن نصنفها تحت خانة الشعبوية ، وهل نحن إزاء شعبوية واحدة ولكن بمظاهر متنوعة أم أننا أمام شعبويات متنافرة ومتصارعة ؟ ثم ما علاقة كل هذا بما يحدث في العالم وبما يسميه أحد أهم المفكرين الفرنسيين في العلوم السياسية بيار روزانفالون «قرن الشعبوية «(2) ...

الصعوبة الأساسية التي تعترضنا هي في مسألة تعريف الشعبوية لا فقط كما ظهرت في التاريخ منذ القرن التاسع عشر ولكن في تحولاتها الجديدة وفي مدى دقة انطباق هذا المفهوم العام على ما يحدث في بلادنا ..
لننطلق من توصيف عام يكاد يكون مجمعا عليه من قبل جل الدارسين للظاهرة الشعوبية في العالم ..

كل التيارات والاحزاب والأفكار التي تقوم على فكرة إخفاق بل خيانة النخب المهيمنة (نخب الحكم والمال والثقافة والإعلام ) واستحواذها على الإرادة الشعبية وادعاء النطق باسمها بدلا عنها وارتباط هذه النخب بلوبيات ظاهرة أو خفية ،محلية أو دولية لبسط نفوذها وهيمنتها الإيديولوجية وأن الحلّ يكمن في اعادة الكلمة بصفة فعلية للشعب لا فقط في انتخابات دورية تسيكطر عليها هذه النخب بل في رسم الخيارات الأساسية عبر أشكال من الديمقراطية المباشرة (كالاستفتاء مثلا) أو حتى شبه الاستغناء عن الديمقراطية التمثيلية كأن يكون اختيار نواب الشعب (بالمفهوم العام للنيابة ) عبر القرعة لا الانتخاب حتى نقطع مع امتهان السياسة (إي أن تصبح السياسة مهنة) كما أن ميزة التيارات الشعبوية أنها لا تكتفي بالقول بأن الشعب هو صاحب السلطة فقط بل الشعب كمفهوم واحد موحد هو أصل القيم وهو الخير والحق وأن النخب هي المسؤولة عن فساده أو إفساده .

لو اكتفينا بهذا التوصيف العام للظاهرة الشعبوية لوجدناه ينطبق بصيغ مختلفة على أهم الفائزين في الانتخابات العامة لسنة 2019 وبخاصة رئيس الجمهورية المنتخب بأعرض وأهم أغلبية حصلت في البلاد خلال هذه العشرية ..ولعله هو الذي بلغ بالخطاب الشعبوي في تونس إلى مداه عبر شعاره المركزي «الشعب يريد ويعرف ماذا يريد» .
الإشكال في تونس أننا أمام إنتاج نظري شبه مفقود لأهم الفاعلين السياسيين ، فنحن أمام خطاب غير مهيكل في الأغلب الأعم ومناسباتي وحدثي مما يعقد مسألة التصنيف والتبويب خاصة وأن كل خطاب راديكالي ليس بالضرورة خطابا شعبويا وكذلك التوجيه الشعبي لبعض الأحزاب والحركات لا ينبغي أن يوصف في خانة الخطاب الشعبوي حتى وإن كانت لديه بعض مظاهره..

ولكن ما الذي يفسر هذا الصعود الصاروخي لما نسميه بالحركات الشعبوية (يمينية كانت أم يسارية) لا في تونس فقط بل في جلّ الديمقراطيات الغربية وكذلك في الفضاءات الآسيوية وفي أمريكا الجنوبية ..
الخيط الرابط في كل هذا الوضعيات المختلفة هو تنامي الارتياب في النخب المهيمنة وخاصة في الطبقة السياسية الحاكمة أي في ما يسمّى بالنظام النيوليبرالي المسيطر في جلّ بقاع الدنيا منذ ثمانينات القرن الماضي ..

نجذ في كتاب المناضلة والمثقفة اليسارية الانقليزية شانتال موف»من أجل شعبوية يسارية «أن اللحظة الشعبوية التي تميّز أجزاء من العالم (وخاصة أوروبا الغربية ) منذ نهايات القرن الماضي إنما مردها انهيار « التوافق» القائم بين أحزاب الاشتراكية الديمقراطية وأحزاب اليمين بعد الحرب العالمية الثانية والقائم على فسخ تدريجي للخلافات بينها في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى وتبنيها لنمط الدولة الراعية (l’Etat providence) الذي نظر له عالم الاقتصاد الانجليزي كاينز.

هذا التوافق مسؤول حسب شانتال موف على بروز مرحلة تصفها بكونها ما بعد الديمقراطية وما بعد السياسية وهي التصرف التكنوقراطي واعتبار الاقتصاد مسألة محايدة لا دخل للصراع السياسي فيها وهكذا انتفى الاختيار بين مشروعين، أو أكثر ،متضادين بما فسح لكل التيارات المعادية لهذا التوافق مجالا سياسيا جديدا لطرح بدائل جذرية شعبوية يمينية كانت أم يسارية .

ما يهمنا هنا هو الوقوف عند المسألة التالية : ماهو دور «التوافق بين الشيخين» الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي في لقاء باريس الشهير في أوت 2013 وما تبعه بعد الانتخابات من تحالف بين النداء والنهضة في فتح طريق أمام التيارات والحركات المعادية لمنظومة الحكم عامة ولهذه المنظومة الحزبية خاصة عندما نقف عند المحصلة الاقتصادية والاجتماعية الهزيلة لتلك الخماسية (2015-2019).

والنقطة الثانية المعاضدة لما سبق تتمثل في خيبة الأمل الكبرى لجموع الناخبين في خريف 2019 بين من يرى في التوافق المذكور طعنا للثورة وتنكرا للمطالب التي قامت من اجلها وبين من يرى في كل المنظومة الحزبية والسياسة المنبثقة عن الثورة سبب كل أزمات البلاد وإخفاقاتها وانه آن الأوان لوضع حد لتجربة الثورة كلها باعتبارها مجرد خدعة ومؤامرة أجنبية .

إذن جاءت اللحظة الشعبوية في بلادنا – كما حصل ذلك في مناطق عديدة في العالم .اثر لحظة الارتياب في النخب المهيمنة فبعد شعار «ليس بالإمكان أبدع مما كان « الذي كانت تعمل وفقه النخب المهيمنة يقوم الطرح الشعبوي أيا كانت تلويناته ، على فكرة بسيطة قوامها انه بالإمكان أبدع بكثير مما كان شريطة أن نبعد هذه الطبقة الحاكمة المتوافقة والفاسدة وان نعيد الكلمة والاختيار والقرار للشعب .

من هنا نفهم أن الشعبوية هي احتجاج واعتراض على ما يسمى بالوسيط أو بالقوى الوسطية في السياسة،باعتبار أن توافقات القوى الوسطية هي قتل للسياسة وقتل للاختيار الشعبي وانتزاع التفويض الشعبي فقط بالمال الفاسد وباللوبيات ثم إعطاء الحكم – بعد الانتخابات– إلى «الدولة العميقة» لتسيّر البلاد وفق نفس العقلية وخدمة لنفس المصالح .
كل هذا لنقول بأن الشعبوية لا تتحدد فقط بتحويل الشعب الى وحدة متجانسة فوق النقد، وحدة معيارية تستأثر بالحق والخير لوحدها مقابل نخب خائنة ومنحطة..والشعبوية ليست دائما نقدا جذريا للديمقراطية التمثيلية (démocratie representative) كما أنها لا تعني ضرورة تجسد الإرادة الشعبية في زعيم كارزمائي كما كانت الشعبوية في تجارب أمريكا اللاتينية في أواسط القرن الماضي ..

فما ينبغي الالتفاف إليه هو الأشكال الجديدة من الشعبوية والتي قد تتلون بهذه المحددات الأصلية ولكن بدون أن تكون أسيرة لها ..

يمكن أن نقول إن قيس سعيد هو افضل تجسيد للشعبوية الكلاسيكية ولكن شخصيات وأحزاب كثيرة في تونس يمكن أن نصطلح عليها بالشعبوية كنبيل القروي ولطفي المرايحي والمنصف المرزوقي والصافي سعيد وعبير موسي وسيف الذين مخلوف والهاشمي الحامدي ،وحمة الهمامي وغيرهم ،لنبق فقط في مستوى الشخصيات المترشحة للانتخابات الرئاسية الفارطة ..كل هؤلاء،يتميزون بخطاب فيه جوانب من الشعبوية (المعاداة للمنظومة..نقد النخب ..النظرة التآمرية .. السيادوية ..) ولكننا في الحقيقة لسنا أمام شعبوية واحدة بل شعبويات عدة جلها يمينية محافظة وبعضها يعسر تصنيعها وفق مفهومي اليمين واليسار .

الفرق الجوهري بين الشعبوية الكلاسيكية وهذه الشعبويات المستجدة نجده أساسا في تعريف مفهوم الشعب .ففي الأول الشعب كماهية متجانسة معطى أصلي وسابق ومؤسس للخط السياسي أما في الثانية فالشعب هو فكرة للتحقيق وليست معطى أصليا ..هو مشروع للبناء كما تقول شنتال موف ، هو نضالات للتأليف حول هدف محدد وزعيم معيّن.
إن الذي يعيق فهم كل هذه التحولات هو النظرة المعيارية السلبية لمفهوم الشعبوية باعتبارها وهما إيديولوجيا ضحل التركيب والتكوين تعتمد

 

على الشعارات التبسيطية والحلول الديماغوجية فقط لا غير ..

اللحظة الشعبوية أهم وأوسع بكثير من هذا ..
أنها في البداية نقد جذري للديمقراطية الليبرالية (دون أن يعني ذلك بالضرورة نسفا لها أو حتى نسفا للشكل التمثيلي لها ..إنها تريد أن تقول أن السياسة إن هي إلا التعبير عن إرادة الشعب أو عن إرادة شعبية للتشكل ، أي أنها ليست حكرا على طبقة محترفة تمتهن السياسة وتستأثر لوحدها حق التعبير عن هذه الإرادة الشعبية ن وهي تعني كذلك أن السياسة هي مجال الاختيار بين مشاريع مختلفة ومتناقضة فقط أثناء الحملة الانتخابية ولكن كذلك عند ممارسة الحكم ، حتى تكون الانتخابات فرصة لتغيير السياسات لا فقط تغيير الأشخاص والحكومات .
هنالك ولاشك في بلادنا وفي العالم أيضا شعبويات فاشستية ومتطرفة ورجعية لها علاقات حميمية مع العنف والإرهاب،ولكن هنالك أيضا تيارات شعبوية أو نصفها نحن كذلك هدفها تغيير منظومة الحكم أي منظومة الهيمنة والتأسيس لمشاريع جديدة تجذر الديمقراطية بمال هي أساسا حرية ومساواة بين المواطنين اي ،تونسيا، نوع من أنواع استعادة لحظة 17 ديسمبر إعطاء أفق سياسي لها (انظر الحلقة الأولى من هذا السلسة ) .

والشعبوية تعني كذلك في أحد أبعادها الإيجابية أن التفكير وإنتاج الحلول ليس حكرا على النخب القائمة المهيمنة ، فهي دعوة لتفعيل «المصعد الاجتماعي» داخل النخب ذاتها أي إلى قطع الارتباط -النسبي بالطبع – بين النخب بمعناها العام وبين الطبقات السائدة ماليا وسياسيا .
ولكن بقدر ما تبدو بعض المقاربات الشعبوية مغرية عندما تنقد «المنظومة» تبدو دون حلول عملية لتغيير الواقع اليوم للناس .
اللحظة الشعبوية هي فسح مجال لفعل سياسي مختلف ونقد جذري لطبقة سياسية متكلسة وفاقدة لرؤية جديدة ..هي إمكان إذن بفتح على افقأ عدة ، بعضها خطير ومدمر وبعضها ساذج وسجين لشعارات جوفاء وبعضها حامل – بالقوة – لمشاريع جديدة ..وهكذا قد تكون شعبويات اليوم – في تونس وفي العالم - هي منظومات الغد ..
تلك هي حيلة العقل الذي يترك أحيانا المجال للأهواء لتحقيق غاياته النهائية بواسطتها ..

(يتبع )

X- الحلقة العاشرة والأخيرة : مستقبل الديمقراطية في تونس
1-اللحظة الشعبوية هي عنوان الفصل الأول في الكتاب الجماعي لحمادي الرديسي وحافظ شقير ومهدي العش والصحبي خلفاوي «la tentation populiste» منشورات دار سراس تونس 2020 والفصل الأول من تأليف المفكر التونسي حمادي الرديسي
واللحظة عندنا تعني كذلك لا فقط البنية الفوقية للشعبوية ، أي الشعبوية كتيارات وأفكار وشخصيات ولكن البنية التحتية للشعبوية اي شروط إمكان الشعبوية اجتماعيا وثقافيا ، وهذا مجال يحتاج في الحالة التونسية إلى المزيد من البخثص والتنظير .
2-من أهم الكتب حول الشعبوية تاريخا وأفكارا واستراتيجييات هو كتاب احد أهم المفكرين في العلوم السياسية في فرنسا اليوم (Pierre Rosanvallon
Le siècle du populisme) les Editions du seuil Paris 2020.
3-Chantal Mouffe « pour un populisme de garche » Albin Michel .Paris 2018

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا