أنيــــــاب الحــــــــوار...

التوجه نحو اتفاق مبدئي على حوار وطني يرسم الخطة الكفيلة بتجاوز الأزمة في تونس، يقتضي البدء بتنقية الأجواء بين المتحاورين و تهيئة أرضية تجميعهم.

ولكن ما نتابعه اليوم ، بعيدً كل البعد عن إقبال كل الأطراف المعنيين بالحوار على «تصفية نواياهم» و الإنخراط الجاد في خوض تجربة ثانية - ولو بطريقة مغايرة - في حل لوضع يجمع الجميع على تأزمه .

فبين التشكيك في جدوى الحوار من ناحية والتسليم بضرورة خوضه ، يتراءى للرأي العام أن الحركية المكشوفة الّتي يتابعها ، لا تنمّ عن إدراك لمقتضيات الحوار، بسبب تواصل تبادل الاتهامات وكيل الشتائم والتخوين و«التكشير عن الأنياب» للعضّ والنهش، بعداء و ضغينة.
فبإستثتاء التعبير المبدئي لرئيس الجمهورية عن قبوله لتبنيّ حوار وطني بشروط تبدو إلى حد الآن غير واضحة، يتواصل عراك الأحزاب والتنظيمات السياسية على المنابر و عبر البيانات و التصريحات بواسطة مختلف شبكات الإتصال والتواصل، في مقارعة لصاحب المبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، ومحاسبة كل طرف للآخر على مواقفه اليوم أو ماضيه، وأحيانا بالتلويح بمبادرات بديلة أو مضادة.

في ظل هذه الفوضى، يدعو الإعلام بمختلف مصنفاته المتواجدين في «قاعة انتظار» الساحة السياسية ، و ينقل عبر المنابر المفتوحة للجميع كي يعرض كل طرف «سلعه» كما اتفق (حتى الّذي يجهر بحمله لأفكار إرهابية أو متشدّدة)، دون البحث عن خيط رابط يساعد الرأي العام على فرز ما تقتضيه المرحلة من أولويات.
لا يخفى على أحد ، أن هذه المرحلة في وضع دائم الحركة والتغيّر،لا في الاتجاه الصحيح، وإنما في اتجاه مزيد من التأزم، رغم ظهور نزعة تسعى لزرع الأمل في بلورة رؤى جديدة قد يفرزها الحوار المنتظر.

هذه الفوضى الّتي يريد المتفائلون أن تكون خلاقة، تساهم فيها «النخبة السياسية النشيطة» التي تبدو غير معنيّة بصناعة رأي عام إيجابي وفاعل، و إنما نجدها منشغلة بما سيحققه لها الحوار من منافع ،و بالتفكير في كيفية تموقعها، و هو ما قد يفضي إلى حوار مغلوط، بسبب تعدد الحسابات، والابتعاد عن إنشغالات الشارع في تغيير واقعه و بسبب عدم النفاذ إلى المفاتيح الحقيقية لحل الأزمة الإقتصادية و الإجتماعية .

ولكن، بما أن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل استبعدت إقحام الحكومة أوتعطيل دواليبها أو إستبدالها، فقد أصبحت تونس إزاء مسارين سياسين ، الأول تباشره الحكومة وتتصرف فيه طبق خياراتها المحكومة بإرادة وإنتظارات الائتلاف الداعم لها ،و الثاني مسار «الحوار « الّذي يتم السعي لإرسائه لتشخيص الأوضاع و إيجاد الحلول لها ، وهو مسار يبدو طويلا و متشعبا .

لذلك تبدو أحزاب الإئتلاف الداعم للحكومة غير معنية و غير متحمّسة للحوار، وتلعب في فضائها الخاص لتنفيذ ما عزمت عليه في خياراتها السياسية ، و في نفس الوقت تواصل مراقبة مخرجات الحوار دون توريط نفسها، مستغلة تعطل سير مجلس نواب الشعب. والدليل على ذلك، إتخاذ قرار إقالة وزير الداخلية في «بهتة» من الجميع تنفيذا لوعود سابقة، و الإعداد الّذي يطبخ على نار هادئة لإدخال التعديلات الّتي سبق الإفصاح عنها عند تشكيل حكومة المشيشي التي من المنتظر أن بقع الإعلان عنها قريبا ، وهي تعديلات أرادها رئيس الحكومة ضرورية بعد تسجيل شغور ما لا يقل عن ثلاث وزارات ،منها وزارة الداخلية الّتي استبقاها المشيشي لنفسه في انتظار ما اعتبره «مخرجات التقييم «لتحديد هوية الّذين سيضطلعون بحقائب الوزارات الشاغرة . هذه المخرجات كانت و ما تزال محل نظر لدى رئاسة الحكومة والأحزاب الدّاعمة لها ، حيث قال الطرف الفاعل فيها رئيس حركة النهضة أن التعديل المنتظر يهدف إلى «الرفع من مردودية الحكومة» على خلفية الأداء المتواضع لبعض الوزراء .و هو ما يعني أن التعديل سيكون أوسع من المنتظر و في اتجاه محاصصة جديدة تشمل مكونات الحزام الدّاعم.

كل هذا لا يغيب عن الأطراف المدعوة للحوار أو الداعمة له ، وكذلك الأطراف غير المدعوة أو الرافضة للحوار منها الحزب الحر الدستوري الّذي صعدّ لهجته تجاه الاتحاد العام التونسي للشغل و بقية الأطراف المنتقدة له، وهو ما أدى إلى صدور ردود فعل متوترة من عدّ جهات كان من المفترض أن تجنح إلى التهدئة و إلى إعداد قنوات التواصل و نزع فتائل التنافر والتباعد.

من هنا يبدو مسار الحوار مليئا بالأشواك ، وعادت بنا العجلة إلى خطاب تعدد المسارات، وتباين الخيارات . الأشواك : في التخاطب الحدي و تبادل التهم، ووضع ساق في موقع والأخرى في موقع آخر، و الخطاب المزدوج و«كل واحد شيطانو في جيبو» كما يقال، والبحث جار على من قلبه على تونس..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا