لتجنب تعميق الأزمة: هل سيتمّ التوافق على مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل؟

بعد مرور شهر من عرض الاتحاد العام التونسي للشغل على رئيس الجمهورية قيس سعيد رسمياً  لمبادرة حوار وطني إعتبرها السيد نورالدين الطبوبي رامية « لإنقاذ تونس من أزمتها (1 /12 /2020)

في وضع وصفه بالعصيب، يبدو المناخ في غليان هادئ،أمام تواصل عدم التفاعل المعلن من رئاسة الجمهورية رغم الدعوة التي وجهتها إليه، و إلى كل القوى الوطنية و الديمقراطية، الهيئة الإدارية الوطنية للإتحاد يوم 12 ديسمبر 2020 لطلب التفاعل و التجاوب مع المبادرة لإطلاق حوار وطني لتجنيب تونس «وضعا لا يمكن توقع مدى نتائجه الكارثية»
هذه الدعوة تبعها بعد خمسة أيام، قرار الهيئة الإدارية الجهوية لإتحاد الشغل بصفاقس يوم 17 ديسمبر 2020، تنفيذ إضراب عام جهوي بصفاقس يوم 12 جانفي القادم، يكون مشفوعا بمسيرة شعبية ، فكان التفاعل من داخل هيكل جهوي و ليس من رئاسة الجمهورية ، بل كان من نفس الاتحاد الجهوي الّذي سبق له في نفس اليوم من سنة 2011 أن نفذ إضرابا عاما بالجهة و قاد مسيرة حاشدة تحت شعار «الدفاع عن حق الأهالي في الشغل والكرامة والعيش الكريم» كان لها أثر كبير لاحقا..

رمزية إختيار هذا التاريخ،تكشف أن الاتحاد لن يكتفي بالدعوات بلا صدى ،و إنمّا هو عازم على الإسهام في الدفع نحو حوار وطني جاد لإنقاذ البلاد من التردّي الّتي هي فيه.

وللتذكير فإن مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل تضمنت تقديم اقتراح لرئيس الجمهورية بإرساء «هيئة حكماء-وسطاء»، من كافّة الاختصاصات من الشخصيات الوطنية المستقلّة تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية، على أن «تتولّى هذه الهيئة التي لا يمكن لأعضائها بأيّ حال من الأحوال تحمّل مسؤوليات سياسية أو الترشّح للانتخابات المقبلة، إدارة الحوار وتقريب وجهات النّظر والتّحكيم بين كلّ الأطراف المعنية بالحوار وفق روزنامة معقولة ومسقّفة زمنيا.

وجاءت هذه المبادرة مفتوحة على «كلّ القوى الوطنية التي تؤمن بالدّولة المدنية الديمقراطية الاجتماعية وتنبذ العنف وترفض الإرهاب وتدافع عن السيادة الوطنية ولا تصطفّ مع الأحلاف الخارجية مهما كان عنوانها».

لقد أكد الإتحاد على لسان بعض قادته أن المبادرة ستكون شاملة ولا تدعو إلى إلغاء البرلمان أو الحكومة وستكون رئاسة الجمهورية هي الحاضنة للحوار الوطني ودون التقيد بنمط الآليات السابقة، و هو ما يعني ضمنيا أن الحوار سيكون أكثر تأطيرا ، و غير خاضع لمنطق و شروط الأحزاب التي كانت طرفا في الأزمة أو متسبّبة فيها، و هو ما يفهم من التشديد على عبارات «الحكماء- الوسطاء «أو» القوى الوطنية التي تؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية الاجتماعية ...».

هذا التمشي يهدف إلى الملاءمة بين ما يريده الرئيس سعيد و بين مبادرة الاتحاد وما تسعى إليه منظمات المجتمع المدني الّتي أصبحت متخوّفة من نسف ما تحقق من مكاسب و من الإنجرار إلى مربع العنف في إستعادة لعبارات فقيد الوطن شكري بلعيد .

ولكن المستجدات الأخيرة بخصوص حليف النهضة في مجلس نواب الشعب «قلب تونس» على إثر إيقاف رئيس الحزب السيد نبيل القروي ، و تغيير قيادة حزب «آفاق تونس» بتعيين السيد محمّد فاضل عبد الكافي رجل الأعمال والاقتصاد الّذي سبق له تقلّد حقائب حكومية وكان محل إقتراحات لرئاسة الحكومة من النهضة و من غيرها، و تكثيف المطالبة بالكشف على أسماء النواب المعنيين بمطالب رفع الحصانة لتتبعهم من أجل ما ينسب إليهم من جرائم، و عودة الحديث عن تحوير وزاري مع مصاعب حكومة المشيشي، كلها عناصر خلطت العديد من الأوراق في الساحة السياسية واختلفت قراءة أبعادها من المتابعين والمحللين .

هل ستشوش كل هذه المستجدات على مبادرة الاتحاد و على مجريات الحوار الوطني المطالب به، خاصة إذا تواصل غياب التفاعل مع المبادرة من رئيس الجمهورية ؟ أم هل ستدفع هذه المستجدات إلى الإقبال على مبادرة الحوار الوطني للإنقاذ و تكون مبررّا إضافيا للتسريع به للحد من الغليان والدخول في مرحلة الفرز الحقيقية للقوى الراغبة في إخراج البلاد من الأزمة الّتي تتخبط فيها في مختلف المجالات؟

لا شك أن الأحزاب الحائزة على لأغلبية في وضع لا تحسد عليه ،و لكن العارف بتقلبات النهضة القائدة للتحالف البرلماني الأغلبي، يدرك أن النهضة قابلة للتضحية بأي كان من أجل ضمن مصلحتها خاصة تلك الّتي تُبعدُها عن مراكز القرار، و هي غير مرتاحة لأي دور إيجابي يمكن أن يلعبه رئيس الجمهورية بمعية الإتحاد العام التونسي للشغل ، لأنها تعودت على الترعرع في خلافات منافسيها. ولا يمكن الاغترار بتصدّعها الدّاخلي ، لأن التجربة كشفت عن قدرتها على تتجاوز خلافتها بسرعة عند الخطر الدّاهم . كما أن الحزب الحر الدستوري - متصدر استطلاعات الرأي- لا يحبّذ خوض معارك لا يجابه فيها حركة النهضة ، ولن يجد نفسه في نفس الأريحية في رفع شعارات الحداثة و الدولة المدنية أمام مبادرة لها نفس المضامين ، وهو ما قد يدفعه للعب دور سلبي في الحوار خاصّة إذا تمّ إستبعاد كل الأحزاب .

كل هذا سيجعل النصف الأول من شهر جانفي محمّلا بالانتظارات و مليئا بالمفاجآت التي قد تفتح على فوهات خطيرة ، خاصة إذا لم يقع نزع فتائل التوتر الإجتماعي و تواصل التصعيد في خطاب التذمر من تبعات الأزمة الخانقة الّتي تعيشها البلاد .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا