ميزانية 2021 وسياسة «دز تخطف»: متى نقطع مع سياسة الهروب إلى الأمام ؟ !

مازال التونسيون – أو هكذا من المفترض أن يكونوا – تحت وطأة صدمة مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020 بنسختيه وبالخلافات

الحادة بين الحكومة والبنك المركزي على حجم وشروط تمويل عجز الميزانية ،ولكن كل هذا سيكون لعب أطفال أمام ما ينتظرنا في موازنة سنة 2021.
لا نكاد نصدق ما نقرأ في التقرير الذي أعدته وزارة المالية حول مشروع ميزانية الدولة لسنة 2021 ،وهي الوثيقة التي تفسر التوازنات الكبرى لقانون المالية وتضع الأرقام الكبرى في سياق تفهمي لطبيعة وحجم موارد الدولة من جهة ونفقاتها من جهة أخرى ..
ماذا نقرا في هذه الوثيقة ؟
حاجة البلاد للاقتراض ستكون في حدود 19608 مليون دينار منها 16608 مليون دينار من الاقتراض الخارجي وذلك بعد أن استنفدنا كل إمكانيات الاقتراض الداخلي ثم تجاوزناه بأشواط عديدة لو تتم المصادقة على قانون المالية التعديلي لهذه السنة الجارية ولكن من أين ستأتي بهذه المبالغ الضخمة ؟
يقول نص الوثيقة أن حوالي الثلث (5253 مليون دينار ) ستكون في شكل قروض لدعم الميزانية وما دون الثلثين بقليل (10290 مليون دينار ) سنحصل عليها من السوق المالية العالمية .. نعم هكذا !!
المريع هنا لا يكمن فقط أمام ضخامة هذا التداين الخارجي بل أمام ما يمكن أن نعتبره صكوكا دون رصيد،أي أرقاما تم تنميقها لمعادلة محاسبية بين النفقات والمداخيل دون أن يكون لدينا أي رصيد يذكر من هذه القروض المفترضة، لا تلك التي ستدعم مباشرة الميزانية ولا خاصة تلك التي ننوي جلبها من السوق المالية العالمية ،فنحن أشبه ما نكون أمام موازنة وهمية لا نعلم حين وضعناها بأي سبل ومن أي جهات سيتم تمويلها !!!
سنجد أنفسنا بعيد أيام قليلة نناقش مشروع ميزانية وهمية لا يعلم واضعوها من أين سيتأتون بالأموال فوضعوا خانات محاسبية لاستكمال المعادلة الشكلية فقط ليس إلا ..
وتزيد دهشتنا عندما نطالع مشروع قانون المالية التعديلي لسنة 2020،إذ بعدما افترض قانون المالية الأصلي لسنة 2020 حشد 3438 مليون دينار من السوق العالمية نجد أن الحكومتين المتعاقبتين في هذه السنة قد رفضتا الخروج على السوق المالية العالمية نظرا للكلفة المشطة لهذا الخروج في غياب اتفاق إطاري جديد مع صندوق النقد الدولي .

وهذا يعني أن جلب ثلاثة أضعاف المبلغ المفترض في 2020 للسنة القادمة إنما هو من قبيل زخرف الكتابة ولا يمت للواقع بصلة .. إلا في حالة ما إذا كانت الحكومة الحالية في أشواط متقدمة لعقد اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي ..
ولكن لو كان الأمر على هذه الشاكلة أو حتى لو فكرت حكومة المشيشي مجرد التفكير في فتح مفاوضات رسمية جديدة مع النقد الدولي لقرض ممدد على أربع سنوات فالواضح أنها تسلك طريقا خاطئة كذلك ، لا لأنها تريد إبرام اتفاق مع النقد الدولي ،فذلك ما لا تستطيع أية حكومة تونسية اليوم الإفلات منه ، بل في تذبذب سياساتها وتناقضاتها بما سيجعلها أمام شروط حادة وقاسية وغير شعبية لو أرادت الدخول من جديد تحت مظلة النقد الدولي ..
ينبغي الإقرار نهائيا أن المعطيات الموضوعية للمالية العمومية اليوم تكاد لا تعطي أي هامش تحرك للحكومة التونسية التي ستضطر إلى برنامج تقشفي واضح وصريح وتحاسب على انجازه كل نصف سنة، بل وربما كل ثلاثة أشهر وأن أي انحراف عن هذه الالتزامات سيجعل صندوق النقد يرفع يديه نهائيا عن البلاد ويتركها لوحدها تصارع الوحوش الضّارية في غابة السوق المالية العالمية ..

ولنقلها بوضوح : إن كل من يعتقد انه لدينا حلول بديلة للسنة القادمة واهم أو ساذج فالحل البديل الوحيد هو ألا نكون محتاجين وبهذه الكيفية لا لصندوق النقد ولا للسوق المالية العالمية ولا حتى للبنك المركزي ،بل عندما نضاعف إنتاجنا وإنتاجيتنا ونخلق الثروة ونرتقي في سلم القيم ، عندها وعندها فقط ستكون نفقات الدولة متناسبة مع مواردها، ولكن هذا يحتاج إلى إصلاحات هيكلية وإلى عودة جماعية للعمل والإنتاج بصفة دائمة وتصاعدية ،وهذا يستدعي منا على الأقل خماسية كاملة إن لم يكن أكثر من ذلك ..
والسؤال المحير فعلا هو : لماذا تعطي حكومة المشيشي الانطباع بان سياستها هي المراوحة بين «دز تخطف» و»دز البيدق» وكأن همها الوحيد ربح القوت بأي ثمن كان !!
هنالك طريق وحيد للخروج من هذه الدوامة وهو الحد من الإنفاق العمومي وتوفير موارد مالية وغير مالية بصفة سريعة بدءا بالقيام بكل الشراكات الممكنة مع القطاع الخاص ثم التفويت العادل والمنهجي في جملة من أملاك الدولة لفائدة باعثات وباعثين شبان وإصلاح عقلاني شامل لكل المؤسسات العمومية ثم عدم الخوف من خوصصة بعضها كليا أو جزئيا وإدخال شريك استراتيجي في بعضها الأخر وتسوية نهائية لديون الدولة معها والجرأة في إصلاح جبائي شامل يقحم بصفة قوية أجزاء من الاقتصاد غير المنظم في المنظومة القانونية وتحفيز كل المستثمرين مهما كان حجمهم على المبادرة والمغامرة والمراهنة على بلادهم والخروج من عقلية «مسمار في حيط» بتوفير فرص النجاح الحقيقي لمئات الآلاف من شبابنا..
هنالك دوما طريق بديلة ،ولكن لا توحد ريح مواتية لبحار لا يعرف إلى أين يتجه ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا