الدستوري الحر والنهضة: الثنائي المتلازم

يخطئ من يعتقد أننا قد تجاوزنا صراع «الهويات القاتلة» على حد عبارة الأديب اللبناني أمين معلوف ، فدستور 2014 والحوار الوطني الذي سبقه ورافقه قد تمكنا

من خفض حدّته الخطيرة خاصة بعد الاغتيالات السياسية التي أدمت بلادنا سنة 2013 ، ولكن أهم الفرقاء السياسيين والاجتماعيين مازالوا غير موحدين على الأساسي والخلافات بينهم هي التي صنفت العداوة والتنافس ولم تتحول بعد إلى باب التنافس السياسي التقليدي ..

تبرز الملاحظة العيانية حقيقة أساسية : تمحور جلّ صراع الهويات حول وجود تيارات الإسلام السياسي بأنواعها وحول إمكانية التعايش معها ، أو مع بعضها على الأقل ، من عدمها وذلك لا يعود فقط إلى ما تمثله هذه التيارات في حدّ ذاتها من إيديولوجيات واستراتيجيات تمكين بل وكذلك لحضورها المجتمعي القوي وبناء عليه حضورها الانتخابي اللافت منذ 2011 إلى اليوم ..

والملاحظ أيضا انه باستثناء انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011 والتي شهدت تفوق الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة وغياب معارضة جدّية ،أما بقية الانتخابات فكانت في جوهرها –باستثناء رئاسية 2019- صراعا استقطابيا بين حركة النهضة وعدوها الأبرز زمن الحملات الانتخابية وفي ظرف سنوات معدودة انتقلنا من نداء تونس (2014) إلى قلب تونس (2019) ثم الدستوري الحر والجديد هنا أن هذا الصراع بدا ضاربا وأشد راديكالية من سابقيه وذلك منذ بروز الدستوري الحر كقوة صاعدة في 2017 ثم أصبح حزب عبير موسي العدو الأول لحركة النهضة منذ سنة على الأقل ،وهذه العداوة لا تهدا ولا تخفت ولا تترك حيّزا للاستراحة رغم أن الانتخابات القادمة لن تكون قبل أربع سنوات من الآن ، على الأقل نظريا ..

لا نعتقد أن الصراع بين هذين الحزبين هو مفتاح كل شيء في البلاد،ولكن كلا الطرفين وخاصة الطرف الصاعد الدستوري الحر ،لهما مصلحة في تصويره كذلك لأنهما ببساطة يتغذيان من هذا الصراع ويبرران به إستراتيجية المحافظة على السلطة أو استعادتها،ويقضيان بهذا الاستقطاب الجدّي والمتعادي على إمكانية بروز فضاء سياسي هام لأحزاب وتموقعات فكرية وسياسية مختلفة ..

نحن أمام إستراتيجية معروفة منذ القدم : اختيار ساحة الحرب واختيار العدو وتأليب الجميع ضدّه ووأد كل ما يمكن أن يندرج في خانة «نعم ..ولكن» وهذا هو النجاح الأهم والأبرز لعبير موسي ولحزبها وذلك منذ السنة الأولى لهذه العهدة النيابية الجديدة .
مثل هذه المعارك الضاربة تلعب أحيانا على جزئيات بسيطة ويمكن هنا أن نشير إلى ثلاث جزئيات قد تكون محددة في مآل هذه «الحرب».

• معنويات الخصم : رغم أن الدستوري الحرّ يرى نفسه امتدادا بيولوجيا للحزب الدستوري الذي تأسس منذ قرن إلا أنه حزب شاب في الحقيقة وهو كذلك حزب انبثق ، بطريقة ما من رحم الثورة التونسية وظل حزبا هامشيا إلى حدود سنة 2018 ثم بدا في مرحلة صعود صاروخية استفاد فيها أولا من انهيار النداء التاريخي وثانيا من مناورات قلب تونس ليصبح هو الحزب الأبرز في العائلة «الوسطية ..الحداثية ..» وهو بصدد تحقيق انتصارات متلاحقة ونرجح أنه سيشهد في الأشهر والسنوات القادمة موجات متتالية من الالتحاق مقابل حزب له نصف قرن من الوجود منها عشرية تحت الأرض (السبعينات) وعشرية من المحاكمات والمنافي (الثمانينات) وعشريتان من شبه الغياب (التسعينات والعشرية الأولى في القرن الجديد) وعشرية من الحكم ..حزب بدا مهيمنا منذ الأشهر الأولى للثورة التونسية ثم ما فتئ يتراجع شعبيا من انتخابات إلى أخرى.. حزب فشل في إستراتيجية «التطبيع» مع جزء هام من الشعب التونسي فضلا عن النخب ، وهو يرى اليوم نفسه مدفوعا إلى حرب استنزاف مع عدو لن يترك له مجالا لعقد صلح ولو مؤقت لأنه يرى النصر قريبا تماما كما الحال في مقابلة ملاكمة بين بطل بدأ يصببه الإعياء ويلجا إلى كل حيل ربح الوقت وملاكم شاب لا يريد بديلا عن الضربة القاضية خاصة وانه يرى أن لكماته الأولى قد أثرت أيما تأثير في صاحب اللقب .

• الخزان الانتخابي: الخزان الانتخابي لكلا الحزبين هام ولكنه محدود كذلك ولعل خزان النهضة هو الأقل اتساعا لان الحركة الإسلامية فشلت في سعيها لتمثيل التونسي المحافظ وجلبه لساحتها وبقي لها فقط المؤمنون – ولو بنسب متفاوتة – بمشروع الإسلام السياسي ولو بصفة هلامية ..في المقابل يظهر خزان الدستوري أكثر اتساعا نسبيا خاصة وان هذا الحزب يكاد يكون قد ربح معركة تمثيل الدستوريين والتجمعيين وهو يسعى الآن إلى اختراق الأوساط الحداثية غير الدستورية وهو يدرك انه لن يتمكن من الفوز في الانتخابات القادمة لو بقي فقط في مربعه الأصلي الدستوري الدستوري ولكن انفتاحه على أوساط أخرى قد يحدث بدوره بلبلة لا في موقفه من حركة النهضة بل من القضايا الوطنية الأخرى والتي قد تكون مصدرا لخلافات هامة داخل هذا الحزب مستقبلا ..

• القيادة: هنالك فارق ضخم في القيادة بين الحزبين راشد الغنوشي من جهة وعبير موسي من جهة أخرى رجل في خريف العمر يريد أن يمر من موقع رئيس حزب اسلاموي إلى منصة احد حكماء البلد ولكن الجزء الأهم من مواطنيه لا يرون فيه سوى زعيم الإسلام السياسي الذي حكم البلاد زمن الترويكا وكان حينها عرّابا للتطرف ومبررا للحركات الإرهابية التي تذكره بشبابه ثم هو الآن يعيش أسوا فترات قيادته للنهضة بتنامي الاحتجاج الداخلي القوي والذي يريد نهاية غلق قوس الغنوشي في حياة الحزب.. في المقابل زعيمة أربعينية ذات شخصية قوية معشوقة الجماهير عند قواعدها ومهابة الجانب عند خصومها وحتى عند أعدائها ولها قدرة استثنائية على قيادة معركة لا هوادة فيها ضد كل مظاهر وتشعبات الإسلام السياسي، ولكن تبقى نقطة ضعفها الأساسية في واحدية القيادة وأحديتها وفي هيمنتها المطلقة على الحزب وعلى الكتلة وفي عدم استعدادها لقبول الندية بما يفقدها كثيرا من القدرة التجميعية إلى حد الآن على الأقل ..
في المحصلة نحن أمام حزبين يتغذيان من عدائهما لبعضهما البعض ويريدان تحويل الساحة السياسية إلى ساحة للوغى لا هدنة ولا صلح فيها .
هل سيقبل التونسيون بان تختزل كل الحياة السياسية في هذا الاستقطاب الحدّي المتعادي أم سيبحثون عن قوى جديدة قادرة على بناء المستقبل دون نسف الماضي ؟ ذلك هو السؤال..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا