أين الكاموريات في مسار التفاوض؟

بقطع النظر عن مواقف التونسيين/ات من تفاوض الحكومة مع تنسيقية الكامور، وما صاحب ذلك من ردود فعل كانت في الغالب، معبّرة عن الصدمة والاستياء والغضب

من دولة فقدت «هيبتها» وصارت هشّة تتحاور مع «الرعاع» و«الجبورة» و«البانديّة»...فإنّ الملفت للانتباه غياب الحديث مع الشابات والنساء ، وتهميش الإخبار عنهنّ. فهل يعني هذا الاستبعاد أنّ قضيّة الكامور قضيّة ذكورية بامتياز؟ وهل أنّ مطالب المهمّشين والمحرومين من الحقّ في التنمية مطالب تخصّ الرجال دون النساء؟

إذا نظرنا إلى المسألة من الجانب الرسميّ: حكومة ممضية على اتفاقيات ومعاهدات ومتبنّية لسياسات جندرية (التناصف، مناهضة التمييز، تكافؤ الفرص، التمييز الإيجابي...) تبيّن لنا أنّ الوفد الرسميّ المفاوض ضمّ امرأة واحدة ممثّلة لقطاع التعليم الذي طالما ارتبط بالنساء (تأنيث التعليم)، وهو تمشّ يوضّح الفجوة بين التشريعات، والسياسات الجندرية الرسمية والواقع. والوفد إذ يختار هذا التوجّه الإقصائي يؤكّد مدى دخلنة التمثلات الاجتماعيّة السائدة والتصورات التي يرى أصحابها أنّ «احتجاجات الكامور» خطيرة تتماهى مع فضاءات الصراع والعنف اللفظي والمواجهة والحرب، وهي فضاءات بقيت في البنية الذهنية، حكرا على الرجال. وبناء على ذلك كان من الواجب استبعاد النساء المنتميات إلى مختلف القطاعات الحكومية حماية لهنّ. ولعلّنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أنّ أصحاب هذا التوجه قد أعلنوا منذ البدء، أنّهم يدركون الخصوصية الاجتماعيّة للجهة التي تسيّج مناخ التفاوض في تطاوين، وهي مجتمع محافظ لازالت بنيته الاجتماعية «عشائرية» مرسّخة دور «سيّد العرش» والشيخ، والرجل في العائلة والحيّ في إدارة الأزمات ومحافظة، في ذات الوقت، على الفصل بين الجنسين حماية للنساء من كلّ أشكال العنف الممارسة في الفضاءات العامّة.

أمّا إذا نزّلنا مسألة غياب أو تغييب الشابات والنساء من النقاش مع أنّهن كنّ حاضرات منذ انطلاق الاحتجاجات، ومتابعات لما يجري ومطالبات بحقوقهنّ فإنّه يُفهم من خلال زوايا مختلفة منها ما يثبت هيمنة الموروث والتقاليد والعادات وصلابة النظام الجندريّ في تطاوين رغم وجود فئة من الناشطات استطعنّ انتزاع الاعتراف وكان أداؤهنّ أثناء المواجهة مع «يوسف الشاهد» ملفتا للانتباه ومثيرا للإعجاب بل للصدمة إذ كيف لامرأة مثل صابرين وافي أن تصوغ خطابا «حارا» منسجما ؟ وكيف تتجرّأ امرأة من «وراء البلايك» على كشف مراوغة الحكومة وكذب المسؤولين؟

ولأنّ «رجال الكامور» يدركون تبعات «قبول النساء» على المستوى الاجتماعي، وما سيترتّب عن جلوسهنّ على «طاولة النقاش» جنبا إلى جنب مع ممثلي السلطة من «استئساد» في سبيل الدفاع عن مصالحهنّ (بسبب تأنيث الفقر، البطالة...) فإنّهم لا ينفكون عن إقناع صابرين وافي وندى الصغير بأنّ حقوقهنّ في التشغيل مكفولة، وأنّهم سيكونون صوتا معبّرا عن مطالبهنّ. أمّا الدعوة إلى ملازمة الناشطات البيوت فهي ليست إلاّ صورة من صور تكريم أهل تطاوين للمرأة واعترافا بكفاحها اليومي واحتراما لها. غير أنّنا نذهب إلى أنّ الالتزام بهذا «العقد» ليس إلاّ علامة على امتثال الكاموريين للأعراف والتقاليد باعتبارها تضمن استمرارية امتيازاتهم الذكورية، وحجّة على مدى حرصهم على عدم إحداث التغيير بطريقة عميقة ومستفزّة للعقليات السائدة. ونقدّر أنّ الحماية ليست حماية للنساء بقدر ما هي حماية للبنية الاجتماعية ومنظومة القيم المعيارية وحماية أيضا لخصوصيات الكامور باعتباره فضاء يجسّد «عالم الرجال» حيث التحرّر من الضغوط اليومية ووطأة ما تفرضه الرجولة من التزامات كثيرة ولذا كان ليل الكامور شديد الترميز.

ولكن تقيم كلّ الحركات الاجتماعية الحديثة العهد (أمريكا اللاتينية، رواندا، أفريقيا الجنوبية، أوغاندا...) الدليل على أنّ تغيير الواقع لا يمكن أن يتحقّق في ظلّ استمرار استبعاد النساء وتغييبهن من طاولات التفاوض وصنع القرار، ومواصلة العمل بالسياسات التي أفرزتها البطريكية المتعاضدة مع الأنظمة الاقتصادية المتوحشة والأنظمة السياسية القمعية والتنظيمات اليمينية المتطرفة. ولذا تطالب صابرين الوافي وندى الصغير وغيرهن كثيرات في الكاف وسليانة وقفصة وغيرها أن يكنّ صاحبات صوت مسموع وقرار ... يتكلّمن ويتفاوضن ولا يتكلّم الرجال نيابة عنهنّ...تطالب الشابات بأن تكنّ فاعلات مبتكرات للحلول والتصورات بعيدا عن منطق المنّ والحماية والتكريم...إنّهنّ مواطنات فرضنّ أنفسهنّ بعيدا عن المعجم النسويّ، والخطابات الممعنة في جعلهنّ موضوعا للمشاحنات الأيديولوجية.

ولأنّهن ذوات فاعلة وواعية فإنّ غاية ما يطالبن به رفقاء النضال الكاموري هو أن يكونوا رجالا من أجل التغيير الذي لا يمكن أن يتحقّق إلاّ مع الشابات والنساء جنبا إلى جنب. إنّ أولى خطوات التحرّر تبدأ في نظرهنّ، ببناء الوعي الاجتماعي/الجندريّ و«التمكين الاقتصادي».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا