اتفاق الكامور: في ديمـــومة التنمية وعـــدالتهــا

نعود مرّة أخرى إلى اتفاق الكامور وإلى كل اللغط الذي أحيط به بين من اعتبره إعلان نهاية الدولة الوطنية

وتلاشي هيبتها ومن رأى فيه تصورا جديدا لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها ...
نحن ولاشك في منطقة رمادية ذات تضاريس شتى وأمام نقاط استفهام لا نملك اليوم عناصر الإجابة الكافية عنها ،ولكن وأيا كانت المخاوف والتخوفات فلا نعتقد أن العقل يحبذ الدفع إلى استعمال القوة والإكراه لا في تطاوين ولا في غيرها من جهات البلاد فهيبة الدولة ليست بالأساس في قدرتها على إظهار عضلاتها بل في فاعلية تدخلاتها وفي فرض احترام التوازنات العادلة في البلاد ..

لا نحبذ كثيرا استعمال مفهوم «الاستعمار الداخلي» الذي راج خاصة بعد الثورة والذي وضعه الأستاذ الصغير الصالحي عنوانا لكتابه الصادر سنة 2016 والمتضمن لمعطيات هامة حول التفاوت التنموي في البلاد ..قلنا لا نفضل استعمال هذا المصطلح لأنه قد يعني عند بعضهم أن الدولة الوطنية أو أن الجهات الساحلية بصدد التعامل مع الجهات الداخلية كما تعاملت الدول الكبرى مع مستعمراتها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين : نهب لخيرات هذه البلدان وتحويل ثمارها بالكامل إلى بلدان المركز..
هذا التوصيف لا يصدق على سياسة الدولة الوطنية لا قبل الثورة ولا بعدها ولكن ينبغي الإقرار كذلك أننا لم نجد بعد السبل التي تجعل الجهات الداخلية ، حتى تلك المنتمية إداريا إلى الشريط الساحلي ، قادرة على الاستفادة من الخيرات التي تنتجها وان يتحول جزء منها إلى خلق ديناميكية اقتصادية تتجاوز حدود النشاط الاستخراجي .

لا معنى لما قاله رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي في حواره مع القناة الأولى للتلفزة الوطنية يوم الأحد أنه على كل جهة أن تأخذ ما يكفيها من الخيرات الوطنية المتواجدة فيها وأن «تعطي» ما فاق عن حاجتها للولايات الأخرى ، فهذا الأمر لا يستقيم اقتصاديا ولا سياسيا ولا يحقق فوق ذلك نموا لهذه الجهات المحرومة ، ولكن لا معنى أيضا أن يكون الاستخراج في تطاوين أو قبلي أو قفصة وان تكون الإدارة والتخطيط والتسويق في مكاتب في العاصمة.. وأن يكون الاستثمار العمومي أو الأجنبي مركزا فقط على النشاط الاستخراجي دون أن يؤثر ايجابيا على المحيط الاقتصادي والاجتماعي للجهة ..

نحن لا نتحدث على توزيع منابات على أحد بل على خلق الثروة بصفة مستدامة وعلى تنويع النسيج الاقتصادي وعلى الاستفادة من هذه الشركات الضخمة نسبيا حتى تكون قاطرات للتنمية الجهوية والوطنية .
ما فشلت فيه الدولة الوطنية قبل الثورة وبعدها هو في كسر هذه الحلقة المفرغة بين السواحل والدواخل وذلك بخلق محركات ضخمة للنمو وللتنمية في الدواخل وفي خلق حركة عكسية للتميّز من السواحل إلى الدواخل لا فقط تحقيقا للعدالة الجهوية بل وكذلك للفاعلية الاقتصادية القصوى ،فبقدر تعدد الأقطاب التنموية بقدر استفادة البلاد وتوسيع رقعة الامتياز والخلق والابتكار ..

اتفاق الكامور على علاّته جيّد لأنه بالأساس يعيد تجسير الثقة بين الدولة ومواطنيها كما يسمح للدولة بحسن ترتيب أولويات الآجل بعد أن تمكنت من تجاوز أزمات العاجل ..
إن العقلانية تفرض علينا البحث في الحلول الدنيا للعاجل دون أن نرتهن بها الحلول الجذرية للآجل وهذا يفرض علينا جميعا واليوم قبل الغد أن نتفق على تصور تنموي شامل للبلاد خلال العقود القادمة يسمح لتونس بالارتقاء التدريجي في سلم القيم وبضخ الذكاء،قبل الأموال، في كل منتوجاتنا السلعية والخدماتية وهذا يستوجب فعلا تصورا جديدا لدور الدولة يخرج بنا من الأنساق العقائدية المغلقة يمينية كانت أم يسارية. نحن نحتاج إلى دولة تخلق التنمية أي شروط النمو في كل مناطق الجمهورية وذلك لن يكون ببعث مؤسسات عمومية جديدة بل بخلق جيل جديد من نساء ورجال الأعمال المنحدرين من الأوساط الشعبية والحاملين لأفكار مشاريع والراغبين في الانتصاب للحساب الخاص تماما كما فعلت الدولة التونسية في سبعينات القرن الماضي عندما خلقت طبقة جديدة من الباعثين جلهم كانوا موظفين أو إطارات في المؤسسات الخاصة .

الإشكال الأساسي في تونس اليوم لا يكمن في حل معضلة المالية العمومية – على أهميتها البالغة – ولكن في إيجاد الحركية الاجتماعية القادرة على زرع التميز والذكاء وفرص خلق الثروة في كل ربوع البلاد بإقحام جريء وجدي للقطاع غير المنظم وبدعم قوي للأقطاب العلمية والصناعية والخدماتية الجديدة في كل مناطق البلاد وفي إصلاح راديكالي للإدارة لجعلها الأداة الرئيسية لخلق ومرافقة وإسناد هذا التحول الهام ومع ما يتبع ذلك من إصلاحات جوهرية لمنظوماتنا التعليمية والتكوينية وحينها ننتقل فعلا من دور الدولة المغذية (l’Etat nourricier ) إلى الدولة المخططة والمبرمجة (l’Etat stratège) وهذا التحول يستوجب منا جميعا الخروج من مناطق رفاهنا الذهنية ومن التفكير في الشيء المعتاد حتى نقترح على كل مواطنينا عقدا تنمويا جديدا يكون العمود الفقري للمشروع الوطني لتونس الغد..
لو رمنا القيام بحوار وطني جدي فعلينا أن ننطلق من هنا وان نوحد كل الجهود من أجل تحقيق هذه الرفاهية المشتركة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا