فك إعتصام الكامور: دروس الحــــــــل ...

ما يقال عن كيفية حل أزمة الكامور، لا يقلل من أهمية ما تم التوصل إليه و لا ينقص من قيمة الدروس الّتي يجب استيعابها حيال الإشكاليات الّتي يمكن أن تطرح في المستقبل.

صحيح أن لا أحد كان يرضى أن تدوم هذه الأزمة لمَا خلفته من خسائر مادية في إنتاج الطاقة ومن إساءة لاعتبار الدولة وهيبتها، بسبب أخطاء في معالجة الموضوع منذ البداية، ولكن نجاح حكومة المشيشي في حل أزمة لم تكن لها يد فيها وتم فيها فرض مقتضيات التزام الدولة بما تمّ من جهتها ، يبقى في النهاية نجاحا يسجّل لهذه الحكومة، إذا سارت الأمور على أحسن ما يُرام.

فأولوية الأولويات العاجلة الّتي سبق أن حددناها بعد نيل حكومة المشيشي ثقة البرلمان منذ شهرين و الّتي اعتبرناها تهم تونس رئاسة و حكومة و منظمات و أحزابا و شعبا، هي حل إحدى الازمات المتعلّقة بالطاقة، وتجاوز إشكالية الإنتاج في قطاع حيوي لتوفير جانب هام من الموارد الّتي تحتاجها الدولة في هذا الظرف الصعب ولضمان سلامة المؤسسات و بقائها. هذا ما جعلنا نؤكد على أن النجاح في حل هذه الأزمة «المخجلة» سيحّقق كسبا شعبيا وسياسيا هامّا للطرف أو الأطراف الّتي ترسي حلا دائما لمعضلة تعطيل الإنتاج في أي ميدان كان، بما يجعل الدولة تستعيد بسط يدها على مصادر مواردها الحيوية و إدارتها (المغرب 7 سبتمبر 2020).

لذلك سبق التأكيد على أهمية رهان السلطة التنفيذية بخصوص حل معضلتي الكامور والحوض المنجمي، لأن الآثار السلبية لتعطّل الإنتاج ، لم تقلّل من موارد الدولة فقط، بل حطت من شأنها ، مما خلّف الإنطباع في الداخل والخارج، بأن الدولة عاجزة عن إدارة شوؤنها. وهو ما كان يقتضي تضافر كل الجهود ، لتجاوز أزمة الثقة الّتي ما فتئت تتسع في السنوات الأخيرة.

إذن لا يمكن للمتابع للشأن التونسي عند إطلاعه على بلاغ رئيس الحكومة هشام مشيشي الّذي أعلن فيه أنه تم مساء اليوم الجمعة 06 نوفمبر 2020 التوصّل إلى حلّ نهائي لإشكالية الكامور بولاية تطاوين. مؤكّدا على أن ّ استئناف النّشاط بالنّسبة للشركات العاملة بالمجال الطّاقي بالجهة، سيتمّ بصورة طبيعية انطلاقا من يوم أمس السبت 7 نوفمبر 2020 إلا أن يستبشر.

هذا التأكيد الأخيريعني أن هذه الشركات ستباشر النشاط في منشآتها دون عوائق ، ولا يعني أن عملية الإنتاج بدأت، وذلك بسبب ما تقتضيه عملية إعادة تشغيل مختلف الآلات و التجهيزات من وقت، لعودة الإنتاج إلى سالف نسقه.

بلاغ رئيس الحكومة تضمّن أيضا «تثمين المجهودات الكبيرة لكافة المتدخّلين لحلّ هذه الأزمة عبر الحوار والتّشاور» وقول ذلك قد يكون من مقتضيات اللّياقة،و لكن لم يكن من الضروري أن يتضمن البلاغ تأكيده على «قطع الطّريق أمام كلّ الدّعوات للعنف والفوضى..» لأنه لا أحد يمكنه الدعوة إلى العنف والفوضى هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المواقف الّتي لم تكن تستسيغ طريقة التعامل مع الدولة و مؤسّساتها، لا يجب أن تفهم على أن أصحابها يرومون إحلال العنف و الفوضى محل البحث عن حل الأزمة بالحنكة اللاّزمة. بل قد يكون لمثل هذه المواقف أثر إيجابي في مجرى التفاوض كوسيلة للتدليل على خطورة تواصل الأزمة و كدافع للإسراع بإيجاد الحل.

إن النتائج الّتي تمّ تحقيقها بواسطة التفاوض بإعادة إنتاج المحروقات في تطاوين لا يجب أن تؤخذ كسابقتها بل يجب النسج على منوالها أو كـ«حق مكتسب» فيما قد يحدث من أزمات مماثلة أو عمليات شد بين الدولة وأي فئة متحكمة أو ضالعة في الإنتاج.

كما أن موقف حكومة الشاهد السابقة الّتي انجرت إلى توقيع التزامات لم تكن متأكّدة من الإيفاء بها ، هو موقف لا يجب النسج على منواله مستقبلا ،خاصة إذا كانت الغاية منه التهدئة وربح الوقت و تسجيل نقاط سياسية عابرة إن لم نقل وهمية. فالدرس الّذي يجب استيعابه هو تجنب إثقال كاهل الدولة بوعود و إلتزامات تجاه أي فئة من الفئات، دون أن تتوفّر المعطيات الجازمة بإمكانية تحقيق ما يقع الوعد به ، لأن ذلك لا يفقد الدولة مصداقيتها فقط ، بل ،يفتح الباب على مجابهتها بالمغالطة والتسويف وفتح الباب على إمكانية تحدّيها.

فالدولة ليست كالأحزاب الّتي قد تعد الناخبين و لا تنجز ما وعدت به، أو كـ «الزعماء» الذين يعدون بالرفاهة و طيب العيش، ثم ينسون وعودهم أو يتنكرون لها . فالخطر أن تهتز الثقة في الدولة وفي مؤسساتها، فيقلع المواطن عن إعتبارها الراعية والحامية له وللوطن والملتزمة الصادقة بالقانون الحامي لكل الحقوق فيجعلها في منزلة الأحزاب الّتي تأخذ صوته ثم تتخلى عنه.

لذلك يكون على الماسكين بمؤسسات الدولة ، أن يستوعبوا درسا آخر يتعلّق بما هو محمول عليهم بخصوص تأمين مؤسسات إنتاج الدولة و توفير الحماية اللاّزمة لكل منشآتها و منشآت المتعاقدين معها والسهر على إيفاء الدولة بكل إلتزاماتها تجاه المستثمرين و المتعاقدين معها في الدّاخل والخارج، لكي لا تتزعزع الثقة فيها، و حتى لا يتكرر ما حصل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا