على وقع تصدّع قادم.. نهضة أم نهضتان أم نهضات ؟

قديما نسب إلى الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان قوله: « إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» وبالإمكان

اليوم أن نقول «أن الديمقراطية تقدر على ما لا يقدر عليه الاستبداد».
حركة النهضة التي بعثت على يدي راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو منذ نصف قرن والتي صمدت وبقيت متماسكة رغم كل فترات المحن التي مرّت بها تظهر الآن بعد عقد من الزمن من الحرية ومن الحكم تشققات هامة وغائرة ستأتي حتما على وحدتها ما لم تحصل مفاجأة من العيار الثقيل في الأشهر القليلة القادمة ..
الخلاف اليوم داخل الحركة الإسلامية والذي أضحى علنيا منذ أواسط الصائفة الماضية هو من أخطر أنواع الخلافات داخل الحركات العقائدية فهو ليس فقط خلافا حول التوجهات الفكرية والخيارات السياسية بل هو خلاف حول حوكمتها ومكانة ودور زعيمها المؤسس،خلاف يمتزج فيها الموضوعي بالذاتي والإيديولوجي بالشخصي والمصلحي،خلاف يؤدي حتما إلى التناحر – والذي بدأ واضحا للعيان – ثم إلى الاستحالة النفسية للتعايش داخل نفس الإطار التنظيمي..
لقد حصلت بعض الانشقاقات في تاريخ الحركة الإسلامية أغلبها كان شخصيا أو محدودا وحتى تلك التي كانت حاملة لمعنى إيديولوجي وسياسي كانشقاق مجموعة الإسلاميين التقدميين في أواخر سبعينات القرن الماضي أو ما عرف بمجموعة عبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وبن عيسى الدمني في أوائل التسعينات إثر حادثة باب سويقة ولكن الجسم الغالب بقي دوما منضبطا لقيادته التاريخية،أما اليوم فالوضع يبدو مختلفا للغاية فنحن أمام شرخ حقيقي يقسم كل مستويات التنظيم النهضوي وطنيا وجهويا ومحليا تمحور الأساسي فيه بين دعاة تطبيق النظام الداخلي أي غلق مرحلة راشد الغنوشي وبين دعاة التمديد وخلق وضع فوق قانوني ومؤسساتي لزعيم الحركة يجعله شبيها بموقع «ولاية الفقيه» عند التيار المهيمن عند الشيعة الاثني عشرية .

هذا الخلاف لا يقبل القسمة على اثنين كما يقول المعلقون في كرة القدم فإما البقاء الفعلي لراشد الغنوشي في قيادة الحركة (أيا كانت الصيغة الشكلية) أو مغادرته لموقع القرار الأول، والإشكال ليس قانونيا أو تقنيا فمجموعة المائة التي تريد من الغنوشي الالتزام الصريح بعدم الترشح لولاية جديدة إنما تستهدف أيضا البطانة السياسية والعائلية المستفيدة من هذا التأبيد والتمديد ولذلك لا وجود لحلّ وسط ، بل لا وجود لإمكانية مبادرة «لمّ الشمل» بصفة جدية ما دمنا إزاء مسألة لا تحتمل الإجابة إلا بنعم أو لا فهنا تستحيل كل المناطق الرمادية ..
فلو انتصرت جماعة التمديد فلن يكون هنالك مكان سياسي مقبول لمجموعة المائة، ، ولعل الإمكانية النظرية الوحيدة في بقاء النهضة موحدة على الأقل شكليا تكمن في انتصار مجموعة المائة وقبول جماعة التمديد بالهزيمة ،ولكن هذا الاحتمال نظري لان جماعة التمديد وخاصة البطانة المقربة من رئيس الحركة لا مستقبل لها لو خسر الغنوشي موقعه في قيادة النهضة ،وبالتالي «التمديد للزعيم» قضية حياة أو موت عند هؤلاء ..
ولكن هل نحن أمام مجموعتين متجانستين؟ أي هل نحن أمام نهضتين بالقوة أم أمام نهضات متعددة ؟
هنالك حقيقة في الفيزياء السياسية لا مفرّ منها فبقدر ما ستبتعد حركة النهضة عن حلمها الأول – و«حلم» كل حركات الإسلام السياسي – بإقامة «الدول الإسلامية» وجعل «الإسلام منهاج حياة» أي عن التصور الكلياني للدين وتحويله إلى إيديولوجيا منافحة ومنغلقة تشن الحرب على الجميع ،بقدر ما تبتعد حركة النهضة عن حضنها الإيديولوجي الأول تخسر ،موضوعيا،كل عناصر وحدتها التنظيمية ،إذ عندما ننزع عنها هذا «الحجاب»الإيديولوجي سنجد توجهات سياسوية اقتصادية واجتماعية وفكرية مختلفة للغاية ، وهذه الخلافات العميقة تشق اليوم كلتا المجموعتين المتنافستين .. فهنالك دوما العقائديون السلفيون والمحافظون الليبراليون والمحافظون الاجتماعيون والشعبويون والمستنيرون الليبراليون والمستنيرون الاجتماعيون ، وهنالك أيضا من يحددون هويتهم السياسية فقط بالانتماء إلى التنظيم ومن يريد التحالف مع الخط الثوري ومن يمني النفس بالمصالحة مع المنظومة القديمة.
بعد الضعف التدريجي للتوحيد على قاعدة إيديولوجية لعبت ممارسة السلطة ولاشك الدور البديل وحافظت – قدر الإمكان – على «وحدة الصف» ولكن قد وصلنا إلى حدود كلا هذين البعدين التوحيديين وقد حصل هذا زمن رئاسة «الزعيم» المؤسس وهذا يدل لوحده على عمق الشروخ التي تشق الحركة الإسلامية إذ لم تعد الايديولوجيا مع المخاطر الخارجية مع اغواء السلطة كفيلة بضمان وحدة شكلية بين توجهات متناقضة ومضطربة داخل هذا الوعاء الذي نسميه حركة النهضة ..
وإذا نسينا فلا ننسى أن كل هذه التفاعلات داخل الحركة الإسلامية ليست بمعزل عما يشق المجتمع السياسي اليوم ، إذ لا نستبعد وجود خطوط تماس بين ما يمكن أن نسميه بتيارات نهضوية بصدد التشكل اليوم مع مستجدات العرض السياسي المتحول اليوم وغدا ..
ولكن قبل كل هذا ستكون المعركة القادمة والحاسمة في ذات الوقت هي معركة السيطرة على التنظيم خلال المؤتمر القادم للحركة وقبلها معركة تحديد موعد المؤتمر الحادي عشر ومدة التأجيل التي يمكن أن تقبلها كل الأطراف ،فلو انتصرت البطانة في فرض تأجيل المؤتمر لسنتين عندها قد يحصل الانشقاق قبل هذا الموعد، واذا انعقد المؤتمر في غضون السنة القادمة فقد يحصل الانشقاق أثناءه أو بعد نتائجه، ولذلك يصرّ رئيس الحركة وأنصاره على ألا ينعقد المؤتمر إلا بعد توافق واسع .. توافق أضحى صعبا للغاية إن لم نقل مستحيلا ..
كان بعض المحللين يعتقدون أن الحركة الإسلامية لن تحافظ على وحدتها بعد مغادرة زعميها ومؤسسها لقيادتها ، أما الآن فمؤسسها سيكون أهم عنصر في انقسامها ..
تلك هي حيلة التاريخ كما يقول الفيلسوف الألماني العظيم هيغل حيث يوظف العقل الأهواء والطموحات الشخصية والرغبات الفئوية لتحقيق أهدافه اليوم أو غدا ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا