المجلس بعيون نوّابه: «وشهد شاهد من أهلها »

تطوّرت صورة البرلمان/ مجلس الشعب على مرّ عقود من الزمن، وتشكّلت وفق أداء النوّاب والسياقات التاريخيّة والسياسية والثقافية

التي كان لها دور هامّ في تحديد ملامح هذه الصورة. وبعد أن كان البرلمان يُعرّف بنسبته إلى الرئيس فيقال: «برلمان بن عليّ» أو بنسبته إلى نوّاب اكتفوا بمدح السياسات التي يصوغها بن عليّ «برلمان الوي ويoui-oui» صار المجلس يُتمثّل على أنّه فضاء للتدرّب على ممارسة «الديمقراطية» من خلال مناقشة المبادرات التشريعية وتحويلها إلى قوانين، ومساءلة الوزراء ومناقشة ما تقرّه رئاسة الحكومة من سياسات، وهو تمثّل يعكس تطلعات وآمال نخب حلمت بتغيير المشهد السياسيّ وتطوير أداء السياسيين، والعمل السياسي. ولئن تأرجحت هذه الصورة بين التقييم الإيجابيّ /السلبيّ فإنّها سرعان ما استقرّت فصارت «من الثوابت» و«المعلوم»، وبات المجلس مرتبطا ارتباطا عضويّا في أذهان الناس بالرداءة، والانحطاط والانهيار القيمي والفساد ... وصار عدد من النواب موصومين فهم أنموذج للانتهازية الفجّة والوقاحة والتلاعب بالعقول والغدر والنفاق وبيع الذمم...يكفي أن يستمع الواحد إلى آراء الناس ويتابع التعليقات والنقاشات حتى يدرك أنّ وضع النائب/ة صار مخجلا ومهينا. فما أكثر أولئك الذين صاروا ملعونين ومنبوذين ومنحطي الكرامة، وإن تظاهروا باللامبالاة واستمروا في أداء دور جرّدهم من الفضائل.

غير أنّ الملفت للانتباه في الأسابيع الأخيرة، تغيير هويّة كارهي المجلس ومصدري الأحكام والانتقادات بشأن النواب. فلم يعد الآخر - البرانيّ وحده من يطلق أحكاما بشأن مجلس صار لا يمثّل الشعب بل أضحى عدد من المشتغلين بهذا المجلس، ومن الداخل، يعطون انطباعاتهم ويبوحون بما كتموه. فالمجلس على لسان «سامية عبوّ» هو مجلس الفاسدين والمزوّرين والمتحيلين وتبييض الأموال، والسرقة، «في الوسخ والانحطاط والقذارة ...مجلس الإرهاب»، ومن ثمّة عبّرت عن كره هذا المجلس. أمّا «عبير موسي» فقد رأت أنّ هذا المجلس يبيح ممارسة الإرهاب ويعبث بالقوانين «و يعتبر المجلس حسب وليد جلاّد ،فضاء لممارسة العنف وتصديره إلى المجتمع «من هنا خارج العنف»... ويعدّ هذا المجلس في نظر نائب آخر «سيرك» وفي نظر آخرين «رحبة»... وهكذا تتعدّد النعوت والأوصاف السلبية. ولأنّ «أهل مكّة أدرى بشعابها» فإنّ كلّ الأدلّة والبراهين قد توفّرت لتضفي مصداقية على كلّ ما يقال حول «مجلس الشعب»، وينظر إليه على أنّه مبالغة وشكل من أشكال التجنّي على ممثلي الشعب.

ما أكثر النوّاب الذين يشيدون بالنماذج والممارسات السائدة في البرلمانات الغربية ولكن يسكت هؤلاء عن الآليات المتوفرة لمساءلة البرلمانيين ومحاسبتهم. فالنواب تحت طائلة القانون ومن واجب الشعب أن يحاسبهم. وعلى هذا الأساس لا مناص من مساءلة النواب الذين تسبّبوا في هدم مؤسسة سياسية ذات وظيفة تشريعيّة وعبثوا بالقوانين التي سنّت لتهيكل العمل داخلها، وتلاعبوا بالمعايير المؤساساتية، وأخلّوا بواجباتهم تجاه من انتخبوهم ليسدوا خدمات للمجتمع ككلّ.
ما أكثر النواب الذين يفتخرون «بأبهة الملك» ومتعة السلطة، ويعتزوّن بالموقع الذي توصلوا إليه وبالامتيازات التي تحصّلوا عليها فيوثقون اللحظات ويدوّنون انطباعاتهم ويسردون انجازاتهم لخدمة مصالح فلان وفلان...ولكن آن الأوان لننتقل من سرديّة «أنا ممثّل الشعب، وشرعيتي اكتسبتها من الصندوق» إلى سرديّة ماذا فعلت بالشعب ولصالح من؟
ولعلّ السؤال الذي يتعيّن طرحه: ما هو دور المجتمع المدنيّ اليوم ؟ أليس من واجبه أن يتدخّل حتى يصحّح المسار ويفرض تهذيب السلوك واحترام القوانين والمؤسسات؟ وبدل التنديد بنواب لم يؤدوا أدوارهم على النحو المطلوب علينا أن نتساءل لم دخل المجتمع في حالة الصدمة،واكتفى بالمشاهدة؟
تثبت التجارب السياسيّة العريقة أنّ للمجتمع المدني سلطة التعديل إذ بامكانه أن يتدخلّ في اللحظة المفصلية، فيعيد الأمور إلى نصابها. ولأنّنا ما عدنا نعوّل على النواب الشرفاء للضغط والإصلاح فإنّ المسؤولية ملقاة اليوم على عاتق كافة مكونات المجتمع المدني.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا