مجتمع يتحوّل.. وقوم لا يبصرون

لاشكّ أنّ المتابع الحصيف للمسار الانتقالي التونسي، وخاصّة في السنوات الأخيرة، يتوقّع حدوث مثل هذا الانزياح عن المبادئ والتصوّرات....

فكلّ العلامات تُخبر عن وجود انسداد في الأفق السياسيّ وتأزّم للأوضاع الاقتصادية والاجتماعيّة لاسيما بعد دخول البلاد في منعرج جديد زادته أزمة كورونا تعقيدا. ولئن تعدّدت أسباب تعثّر المسار الانتقالي حتّى عسر جمعها، وتنوّعت طرق مقاربتها فإنّ الوقوف عند التحوّلات في مستوى حضور الفاعلين المؤثرين في «المشهد» السياسيّ وأدائهم صار ضروريّا.
فبالرجوع إلى النقاش الذي دار على هامش تفاوض المسؤولين مع ممثلّي «انتفاضة الكامور» نتبيّن «صدمة» النخب السياسية والثقافية، واستغراب شرائح من المجتمع من طريقة إدارة ملفّ الكامور تجلّت في عبارات شتم الحكومة «الفاشلة» و»الضعيفة» والتنديد بهيمنة المدّ الشعبوي والاستياء من العبث بالتقاليد والنواميس والبروتكولات وغيرها. ونقدّر أنّ هؤلاء المتمسكّين بـ«الماضي التليد» وقواعد العمل السياسي التقليدية يجدون صعوبة في الاعتراف بأنّ الزمن تغيّر وأنّ «براديغمات» جديدة قد فرضت نفسها على مستوى التحليل من ذلك هويّة الفاعلين. فقد تعدّدت الهويات وتنوّعت واتّسعت المحددات المشكّلة للشخصيات (profile) فصار بإمكان «الكناتري» أن يكون مشرّعا ونائبا ، وصار بإمكان المؤدي في فرقة الإنشاد الدينيّ أن يعرّف نفسه بأنّه سياسيّ، وقس على ذلك عيّنات أخرى...يكفي أن نراجع السير الذاتية لممثلّي الشعب حتى ندرك التحولات في علاقة التونسيين بالسياسة وبالعمل السياسي وطموحات الأفراد والمجموعات وإرادة المترشحّ/ة ورغبات الناخب/ة ، وطريقة التعبئة،... إضافة إلى التحوّل في منظومات القيم والأخلاق والتمثلات.

ولعلّ ما يسترعي الانتباه في هذا السياق أنّ تمثّل النائب/ة قد اختلف عمّا كان سائدا في العشريات السابقة فلا مانع لدى عدد من الناخبين/ة اليوم، من أن تتولّى فئات من الذين كانوا مهمّشين اجتماعيا أو سياسيّا أو ثقافيا المشاركة في العمل السياسي من موقع السلطة التشريعية وعلى قاعدة المواطنة التي لا تستثني أحدا، والممارسة الديمقراطية القائمة على التمثيلية والتشاركية، ولا مانع لدى فئات أخرى من أن نفسح المجال لفاعلين جدد حتى يتدربوا على العمل السياسي وحتى يخوضوا معترك الدفاع عن العدالة الاجتماعية.
وبناء على هذه التحولات ما عادت النخب التي تلقّت تعليما في أرقى الجامعات الغربية وأعرق الجامعات التونسية تحتكر المواقع أو تمثّل خزانا للانتداب في العمل السياسي لكونها الفئة المؤهلة أكثر من غيرها للحكم وقيادة البلاد ، وما عادت مقاييس الحكم على من يتولّى العمل السياسي أو المشاركة في التفاوض مشروطة بالهيئة (البدلة الإفرنجية) والثقافة السياسية الغربية وإتقان اللغة الفرنسية، وإحكام ربط العلاقات مع ممثلي السفارات، والآداب الاجتماعية le code de savoir vivre وغيرها.
لقد اربكت الحدود التي كانت تفصل بين مختلف الفئات الاجتماعية ، و تضبط سلّم التراتبية وتضع الناس «في مواضعهم» التي حددتها النخب الاجتماعية(العائلات البلدية) والسياسية والثقافية والاقتصادية وفق تمثلات قائمة على الثنائيات المتقابلة:»الخاصة/العامة، النخب/الرعاع، الغني/الفقير، الأبيض/الأسود ... ومراعية لتوازنات تفرضها الطبقة، والسن، والجندر، والجهة، ...إنّنا إزاء عالم جديد يتشكّل وفق قيم جديدة وتصورات مغايرة عن السائد، وتجارب مختلفة أفاد أصحابها من ثقافة رسمت مضامينها الحركات الاجتماعية المعولمة وناقش المنظرّون مقوّماتها في أعمال ضخمة.
واهم من يعتقد أنّه بإمكانه أن يحافظ على المعايير الاجتماعية والثقافة الرسمية وآليات العمل، ويدافع عن «الذوق العام» والنظم وغيرها باعتبارها من «ثوابت الحداثة» والعناصر المشكلة للدولة المدنية ...واهم من يقاوم التحركات ويتصدّى للديناميكية الاجتماعية التي تؤثّر في السياسي والثقافي والفكري لا لشيء إلاّ لأنّه يرى نفسه وصيّا على الآخرين وناطقا نيابة عنهم.

نحن إزاء قوى اجتماعية امتلكت الصوت وتموقعت باعتبارها تنحت في الصخر من أجل الوقوف بوجه «الحقرة» والإقصاء والاستبعاد ولامبالاة الدولة... ونقدّر أنّه آن الأوان أن نعترف بأنّنا لم نفهم التغييرات الحاصلة من حولنا وتأخرّنا في سدّ الفجوة المعرفية وفتح باب النقاش المجتمعي بأدوات تحليل جديدة تساعدنا على إرساء مجتمع يعبّر فيه الجميع عن تطلعاتهم وتصوراتهم بكلّ احترام وبكل رصانة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا