بعد هدم كشك وموت المغفور له عبد الرزاق خشناوي: وتتواصــــل المأسـاة

أفاقت فجر يوم أمس مدينة سبيطلة وتونس قاطبة على خبر محزن أليم : تنفيذ قرار هدم أكشاك على الساعة الرابعة صباحا أدى إلى وفاة الكهل الخمسيني

عبد الرزاق خشناوي الذي كان نائما داخل أحدها ، ومنذ بلوغ الخبر إلى الأهالي في سبيطلة حصلت احتجاجات ومظاهرات وكر وفرّ بين المحتجين وقوات الأمن ثم بعد سويعات تمت إقالة والي القصرين ومعتمد سبيطلة وبعض كبار المسؤولين الأمنيين جهويا ومحليا ..
نرجو أن يتمكن التحقيق الإداري وخاصة القضائي من كشف كل الحقيقة ومن ضبط المسؤوليات ومن التعويض لعائلة الفقيد وإن كان كل مال الدنيا لا يعيد الأب والزوج والإنسان عبد الرزاق خشناوي ..

ولكن هذه الحادثة المفزعة الأليمة تكشف كذلك عن واقع مأساوي عادة ما نستعمل معه لغة الأرقام الجامدة أو نغض البصر عنه أو يُوظفه السياسيون لاتهام بعضهم البعض.

تختلف الظروف الشخصية والمسارات العائلية ولكن كم تذكرنا حادثة سبيطلة الأليمة بما جدّ منذ حوالي عشر سنين بمدينة سيدي بوزيد للشاب محمد البوعزيزي شاب يرتزق (محمد البوزيدي ) أو يريد الارتزاق (ابن الفقيد عبد الرزاق خشناوي) لم يتمكن أو لم يستطع أو لم يرد الانخراط في نشاط اقتصادي منظم فأراد أن يوجد لنفسه موطن رزق فتعاملت معه السلطة المحلية والجهوية كالتنين (حسب عبارة الفيلسوف هوبز) غير عابئة بالمأساة الإنسانية التي تكمن في كل حالة فردية ..

صحيح أننا نتحدث عن شاب أو كهل خالف الإجراءات والتراتيب ولم يحصل على الرخص الإدارية المعروفة وان السلطة الجهوية أو المحلية مطالبة بإنفاذ القانون وانه من الظلم مؤاخذة من هو مطالب قانونا بتطبيق القانون حتى وإن كان مطالبا أيضا بمراعاة الجوانب الإنسانية وبحسن تطبيق القانون كذلك ..
ولكن الإشكال الأكبر هو ماذا نفعل عندما يحول القانون أو يعسّر على الأقصى انخراط حوالي نصف السكان في الاقتصاد المنظم ؟ هل نواصل تطبيق القانون،أي هل يواصل النصف المنظم زجر النصف غير المنظم من المجتمع أم نقف لحظة واحدة لنفكر في مدى عدالة القانون وكيف نبتكر منظومة قانونية واقتصادية لا تضع نصف التونسيين على هامش الدورة

الاقتصادية المنظمة ؟ !

إن الفجوة الأساسية في المجتمع التونسي لا تكمن بين التقدميين والرجعيين أو بين العلمانيين والإسلاميين أو الثوريين وأنصار المنظومة القديمة ..الفجوة الحقيقية هي بين تونس المنظمة المهيكلة وبين تونس الهوامش ،تلك التي لا تجد الطريق ممهدا للنجاح المدرسي وإن تمكنت من ذلك فستجد نفسها محرومة من التفوق فيه إلا لقلة نادرة ثم هي لا تملك التشبيك الكافي للانخراط في الحياة المهنية من أبوابها المعقولة ولا تجد سبيلا لاقتراض لو أرادت أن تبادر ولا التسهيلات الضرورية لتبعث مشروعا صغيرا في إطار المنظومة القانونية ..

نحن لا نتحدث هنا عن أباطرة التهريب أو حتى على الحيتان الصغيرة ،نحن نتحدث عن أكثر من مليون وستمائة ألف شخص يشتغلون في القطاع غير المنظم بما يمثل %45 من السكان النشيطين المشتغلين في البلاد ونتحدث عن حوالي ثلاثة ملايين ونصف مواطن يعيشون تحت خط الفقر متعدد الأبعاد أي ثلث المجتمع وعن ثلث آخر لم يتمكن من الانعتاق من حلقات التهميش المختلفة حتى لو كان عمله في القطاع الاقتصادي المنظم ..

هنالك من يعتقد في بلادنا أن الانقطاع عن التعليم (أكثر من مائة ألف سنويا يتسربون من الابتدائي والإعدادي والثانوي) إنما هو ظاهرة عرفناها بعد الثورة وان الأوضاع التربوية كانت أفضل من ذلك بكثير ..ولكن الحقيقة غير هذا ،فتونس تسجل انقطاعا عن التعليم بهذه الإعداد منذ ما لا يقل عن ربع قرن وحتى قبل ذلك من حيث النسبة لا العدد ..
في هذه العشرية لدينا أكثر من %1 من المتسربين من التعليم الابتدائي (حوالي 10.000 تلميذ أو أكثر ) وما بين %10 و%12 من المتسربين في الإعدادي والثانوي (في حدود مائة إلف سنويا) ولكن ينبغي أن نعلم انه قبل إلغاء إجبارية امتحان السنة السادسة ابتدائي في نهاية التسعينات كان عدد المتسربين من المرحلة الابتدائية سنويا مرتفعا للغاية (حوالي 95.000 في السنة الدراسية 1989 /1990) وأنه في بداية السبعينات كانت نسبة الذين يتمكنون من تجاوز المرحلية الابتدائية دون %40 من مجموع التلاميذ ..وفي تلك السنوات كانت الجهات الداخلية هي التي تدفع الثمن الأكبر لهذا الفشل المدرسي..
فالتهميش المدرسي والمهني ليس وليد الثورة ولكنه كان من أبرز عوامل حصولها على عكس ما يعتقد المولعون بالرسائل الالكترونية لهيلاري كلينتون وبالمؤامرات التي لا توجد إلا في أذهان البعض وتحجب عنهم الحقيقة المرّة لبلادنا ..
ما الفرق إذن بين الستينات والسبعينات إلى حدود بداية التسعينات واليوم ؟
يمكن أن نجمل الفرق في بعدين أساسين :

- بعد ثقافي يجعل فئات عديدة من المجتمع التونسي بعيد الاستقلال تقنع بها ماهو «مكتوب» لها وعليها وتقبل بما يتاح لها من موارد رزق أيا كانت قيمتها المادية والاعتبارية .

- البعد الثاني هو الاشتغال الجزئي للمصعد الاجتماعي ،فمن كان يحصل على الباكالوريا في الستينات فقد ضمن حياة كريمة ومن كانت لديه الأستاذية في السبعينات سيصبح حتما من نخب البلاد وهذا ما يجعل الكثير من الأمل عند الفئات الاجتماعية الأقل حظا إذ يكفي أن ينجح دراسيا احد أبنائها حتى يصبح تحسن حالها مسألة وقت ليس إلا ..
ولكن هذا المصعد الذي كان يشتغل جزئيا خلال العقود الثلاثة الأولى من الاستقلال بدا في التعطب والعطالة ..فعندما وصل أبناء المهمشين بكثافة إلى الجامعة في أواخر القرن الماضي فقدت الشهادة الجامعية تلك القدرة الخارقة لتغيير جذري في المسارات الشخصية المادية والمعنوية لأصحابها إلا إذا كانوا من أهل التفوق المطلق وقليل منهم عامة في البلاد وخاصة في مناطق التهميش..

الفرق الجوهري بين العقود الأولى للاستقلال وهذين العقدين للقرن الحادي والعشرين لا يكمن في الوضعيات الموضوعية للمهمشين بل في رفضهم مواصلة القبول بهذا «القدر المحتوم» واحتجاجهم عليه وتحمليهم للدولة ولسائر المجتمع المنظم وضعياتهم الشخصية والعائلية والجهوية وأصبحت نخب المهمشين ترى انه ما لم يتم تقاسم الحد الأدنى من الرفاهية فلا حق لأحد فيها إذن .. انه صراع الاعتراف الذي أبدع في تحليله الفيلسوف الألماني هيغل ، أي صراع الكرامة باعتبارها العمود الفقري للحرية ..

ولكن النجاح المدرسي ليس هو الطريق الوحيد للنجاح في الحياة ، فهنالك من الذكاء والإرادة والعزيمة عند بنات وأبناء الطبقات الشعبية بما يسمح لهم بالنجاح المهني في شتى المجالات ..

هنا تأتي المعضلة الكبرى لتونس إذ تأسست منظوماتنا الجبائية والبنكية والإدارية والقانونية لإعطاء بعض الفرص لمن تمكنوا عائليا أو شخصيا من الالتحاق الصعب بالقطاع المنظم،أما كل المبادرين الآخرين الذين لا يملكون العلاقات الاجتماعية الضرورية للانخراط في حلقات المال والأعمال والنجاح بمختلف أصنافه فهم على هامش الدورة الاقتصادية وأصبح الالتحاق بالمنظومة القانونية معقدا للغاية ومكلفا كذلك ترى مئات الآلاف من المواطنين يفضلون دفع رشوة أو خسارة بضاعة أو حتى تحطيم محل على أن ينخرطوا في منظومة قانونية كل شيء فيها ينفرهم ويستبعدهم وهكذا أصبح النجاح على هامش المنظومة متاحا فقط لكبار ومتوسطي المهربين أما البقية فيعيشون على الفتات ودون أية ضمانات لديمومة مواطن رزقهم الهشة إذ تبقى رهينة قرار إداري بالهدم أو الإيقاف والسجن واتلاف البضاعة ..

هل بالإمكان إدماج نصف المجتمع في الاقتصاد المنظم ؟ بالطبع؟ شريطة ألا يفكر أصحاب القرار والرأي والتأثير فقط كأناس محظوظين لم يعيشوا التهميش ولم يذوقوا ويلاته اليومية..
الأكيد انه ما لم نبتكر الحلول العاجلة وطويلة المدى لادماج الغالبية العظمى من التونسيات والتونسيين في الدورة الاقتصادية المنظمة وما لم نرتق في سلم القيم وفي ضخ الذكاء في كل سلعنا وخدماتنا سيبقى هذا الشرخ جرحا نازفا لا يهدد فقط نصف المجتمع بل المجتمع بأسره.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا