بين الأمني والمواطن: في صعوبات تجسير الثقة

لنجاح الانتقال الديمقراطي شروط عدة كالاستقلال الفعلي للقضاء وللقضاة وتراجع منسوب الفساد في الإدارة والإعلام وإصلاح المنظمات الاقتصادية والاجتماعية

وكذلك إنجاز الأمن الجمهوري بمعناه العام أي أن تقوم المؤسسات الحاملة للسلاح بالدور المنوط بها في دولة ديمقراطية وأن تحمي البلاد والمؤسسات والمواطنين وأن تنأى بنفسها عن كل انخراط في السياسة وفي حسابات السياسيين سواء أكانوا في السلطة أو في المعارضة ..
لا ينبغي أن ننسى أن استبداد نظام بن علي كان يقوم على التوظيف المطلق للمؤسسة الأمنية لا فقط أيام الثورة ولكن على امتداد الجزء الأهم من عهده وهذا بالطبع خلق علاقة من الريبة والخوف والحنق كذلك رأينا بعض مظاهره إبان الأيام والأسابيع التي تلت هروب بن علي من البلاد .

لقد بذلت المؤسسة الأمنية والأمنيون جهودا كبيرا لتجاوز هذه الريبة ولبناء علاقات ثقة جديدة قوامها احترام مبادئ الجمهورية والانخراط الإرادي في التحول الديمقراطي والمحافظة على المؤسسة الأمنية من كل اختراق سياسي من أي صنف كان ،وقد لعبت هنا النقابات الأمنية دورا هاما في كل هذه العملية ثم جاءت الحرب ضد الإرهاب التي فرضتها الجماعات الإرهابية على بلادنا ودفعت المؤسستين الأمنية والعسكرية ثمنا غاليا للحافظ على أمن البلاد والمؤسسات والأفراد فتوطّدت علاقة الثقة فالأمن هو أول الحقوق وكذلك أول الحريات..

ولكن تحصل بين الفينة والأخرى عمليات استعراضية من بعض الأمنيين أو من بعض النقابات الأمنية تعيد المخاوف القديمة / الجديدة على السطح وتعطي الانطباع أن الأمنيين ، أو بعضهم ،لا يقبلون المحاسبة ويتصرفون وفق المنطق القبلي القديم «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ويريدون تحصينا لكل أعمالهم وإدماج عدم المحاسبة الجزائية في هذا المشروع، القانون الشهير باسم «زجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح» أي أن المؤسسة الأمنية هي وحدها التي تقدر هل أن استعمال العنف لتفريق مظاهرة أو إيقاف شخص كان متناسبا مع المخاطر أم لا حتى لو أدى استعمال سلاح الأمني إلى قتل مواطن،والحال أن المنطق الديمقراطي يقتضي في هذه الحالة أن يكون القضاء هو الفيصل وان يقر هو وحده في نهاية المطاف هل أن استعمال هذه القوة كان مبررا أم لا وهل أن القتل ،لو حصل ، كان في إطار عملية دفاع شرعي عن النفس أم لا ..

ولكن المسألة لا تقف عند هذا الحدّ لأن هنالك قضايا تثار ضد استعمال العنف وحتى التعذيب داخل مراكز الأمن وأن هنالك معاملات تحصل هنا وهناك لا تليق بالأمن الجمهوري كتصوير بعض الموقوفين أو التشهير ببعض الأشخاص من قبل صفحات فايسبوكية محسوبة على نقابيين أمنيين ولكن الأخطر من كل ذلك هو تلك المجموعات الأمنية التي تتجمهر بصفة عدائية للاحتجاج عن السلطة التنفيذية أحيانا كما حصل في القصبة إبان فترة الحبيب الصيد أو أمام المحاكم للاحتجاج على محاكمة احد زملائهم،تجمهرات خارجة تماما عن كل تأطير قانوني ودون أن تحرك القيادة الأمنية أو الإدارية أيّ ساكن .

وغني عن القول بأن مثل هذه التجمهرات – كما حصل مؤخرا في محكمة بن عروس – تمثل انتهاكا لحرمة القضاء - حتى ولو لم يتم هذه المرة اقتحام المحكمة كما حصل ذلك في 2018 - ورغبة ملحة للتأثير عليه وهي بذلك تتنافى مع مقتضيات الأمن الجمهوري وتخيف عموم التونسيين لا من عودة الدولة البوليسية بل من إمكانية وجود مؤسسة أمنية فوق القانون وفوق الدولة ..

نؤكد هنا أن هؤلاء المتجمهرين يمثلون بعض مئات الأفراد بينما تعد المؤسسة الأمنية أكثر من خمسين ألف موظف وأمني ولكن الانطباع الذي يمكن أن تتركه أقلية نشيطة في ظل صمت المؤسسة الأمنية ككل ، هو الذي سيبقى في الأذهان وهو الذي يغذي هذه المخاوف ويهدم ذلك العمل الكبير الذي قامت به المؤسسة الأمنية والأمنيون لتجسير الثقة من جديد مع المواطنين.

ونحن لا نبرئّ تلك الحركات والشعارات الاستفزازية التي تستهدف الأمنيين بصفة عامة وبطريقة مهينة كالتلويح بورقة نقدية في وجوههم أو التشهير دون تمييز ومقابلة منطق القبيلة بمنطق لا يقل قبلية عنه ..

نحن نعلم أن رغبة الغالبية الكبرى للجسم الأمني تكمن في بناء علاقة ثقة واحترام مع سائر المواطنين ونقدر أيضا خوف جل الأمنيين مما قد يحصل لهم أو لذويهم نتيجة قيامهم بواجبهم تجاه بلادهم وأن الحكومات والبرلمانات المتعاقبة لم تنجح إلى حدّ الآن في طمأنة كل الأسلاك الحاملة للسلاح على الحماية الاجتماعية والمهنية الضرورية لهم وقد نتفهم أيضا غضب بعض النقابات الأمنية على ما يعتبرونه مماطلة في تلبية مطالبهم المشروعة شريطة ألا يخرج هذا الغضب عن إطار القانون وألا يمثل ، كوضعيات الحال في هذه الأيام الأخيرة ،ضغطا غير مقبول بالمرة على المؤسسة القضائية كلما تعلق الأمر بمقاضاة أمني من اجل تجاوزات ارتكبها .
إن تراجع رصيد الثقة بين الأمني والمواطن خسارة للجميع ،كما أن التصرفات الهوجاء لبعض الأمنيين مضرة أيما ضرر بصورة المؤسسة الأمنية وبكل جهودها لحفظ أمن البلاد والعباد..

على حامل السلاح سواء أكان امنيا أو ديوانيا أو عسكريا مسؤوليات جسمية فهو يجسد لوحده الدولة والقانون والقوة الشرعية وهذا يفرض على الجميع وعلى الأمنيين خاصة - لأنهم في اتصال يومي مع المواطنين- الكثير من الحكمة ومن ضبط النفس وهذا لا يتأتى إلا بالتكوين المستمر الملائم وكذلك بردع كل تجاوز وبإسهام النقابات الأمنية في هذا الوعي بدلا من التشجيع المباشر أو غير المباشر على بعض السلوكيات غير المقبولة .

تعيش بلادنا أزمات هيكلية عميقة تكاد تدك دكّا ما بقي من بصيص الأمل فلو أضفنا إلى هذا أزمة ثقة حادة بين المواطن والمؤسسة الأمنية نكون جميعا قد فاقمنا الأزمة وعسّرنا من سبل حلّها وتجاوزها.
المطلوب اليوم الحكمة والصر امة معا وألا ندفع من هنا أو هناك إلى أزمة جديدة قد تكون القاضية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا