المحكمة الدستورية رهينة مخاوف وأطماع السياسيين

ردود السيد وزير العدل على تدخلات أعضاء مجلس النواب عند مناقشة مشروع تنقيح قانون المحكمة الدستورية في بداية الأسبوع المنصرم،لم تجعلني

أندم على تقييمي السلبي لمؤهلاته السياسية عند الإعلان على تعيينه لتحمل أعباء الحقيبة الّتي تُعدّ نظريا أهم حقيبة سيادية في برتوكول ترتيب الوزارات. واكتشف الجميع أن الرجل ظُلم ،وأن الحكومة لم تكسب حقيبة فاعلة،و أن قيادة الدولة لم تبرهن على أنها تمتلك رؤية إستشرافية للمؤسسة الدستورية.
وعندما راجعت مواقف البرلمانيين من الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين ثم مواقفهم من اقرار الدستور بإنشاء هذه المحكمة وكيفية «تعيين» أعضائها بآلية تصويت الأحزاب عليها ، تأكدت أن غاية أحزاب الأغلبيات السابقة والحالية والمحتملة، ليست علوية القوانين و سيادة المؤسسات في بناء الدولة الحديثة ، وإنما الغاية ضمان عدم حيادها و إستقلاليتها بالتخطيط لذلك في مختلف كل مراحل إنشاء هذه المؤسسة القضائية – السياسية العليا.

لقد اتضح أن هذه المحكمة غير مرغوب فيها -في الحقيقة- من الأغلبيات السياسية ، طالما لم تضمن سبل التحكم فيها و مصادرة قراراتها مسبقا ، مما يعني أن الحلم بتركيز محكمة دستورية بتركيبة مستقلة و محايدة في الظرف الراهن غاية لن تدرك ، حتى و إن تم تنقيح قانونها الأساسي و إقرار أغلبية 3 أخماس في تعيين أعضائها.
فمثل هذه المحكمة كانت فاعلة في أغلب الأنظمة السياسية المقارنة في حل الإشكاليات القانونية والسياسية أيضا ، وهكذا اتجهت إرادة التأسيس لها في الدستور التونسي بدفع من القوى الحية . فهي ركيزة أساسية في المنظومة الدستورية التونسية ، بإعتبار أنها تختص دون سواها بمراقبة دستورية مشاريع و مشاريع القوانين الدستورية والمعاهدات والنظام الدّاخلي لمجلس نواب الشعب، وبمراقبة دستورية القوانين الّتي تحيلها عليها المحاكم تبعا للدفع بعدم الدستورية بطلب من أحد الخصوم .

فهاجس عدّة أجيال كان تركيز محكمة دستورية تضمن علوية القانون بحياد تام، وبدا من النص الدستوري أن الغاية تحققت ولكن بوضع القانون الأساسي ، إتـضح وجود نواقص تحول دون تحقيق المنشود، خاصة بخصوص إقرار أغلبية الثلثين عند تصويت النواب على من يمثلهم. و قد ذهب الجميع إلى أن العيب يكمن في الأغلبية المطلوبة وليس في نوايا النواب و نزاهتهم أو في حسابات المشرعين.

فرغم التنصيص على أن المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلّة، لم يشترط الدستور حسب المتمسكين بحرفية النص أن تكون الكفاءات المعيّنة فيها مستقلّة، كما بدت نوع من الضبابية في مسألة التعيين والتصويت وكذلك في مسألة العدد الزوجي للأعضاء الّذي يصعب فيه الترجيح عند تعادل الأصوات، و اللّجوء إلى إعتماد الترجيح بصوت الأكبر سنا . كما تم إتاحة ترشيح الأشخاص بشروط غير صارمة قابلة للمراقبة وتجنب وضع تركيبة بالصفات، كاعتماد تركيبة فردية تتشكل مثلا من الرؤساء الأول لمحكمة التعقيب وللمحكمة الإدارية ولدائرة المحاسبات، على أن يتم تعيين أعضاء الأخيرين يكون من بينهم رئيس جمهورية سابق و رئيس مجلس نواب سابق و رئيس حكومة سابق و أعضاء معينين من قبل كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس نواب الشعب ورئيس الحكومة .

لقد تم وضع مصير المحكمة الدستورية منذ البداية في عدّة مآزق لذلك تأكّد عند الدخول في مرحلة تعيين أعضاء هذه المحكمة ، أن إرادة المشرعين اتجهت إلى جعل مصير هذه المحكمة مرتبطا بإرادة الأغلبية البرلمانية - حزبا أو إئتلافا –
هذه الإرادة كانت تحت سيطرة – فكرة التوافق المغشوش – حيث ساد الإعتقاد أن المستقبل لأصحاب هذه الإرادة دون غيرهم ولم يدر بخلد المؤسسين أن المستقبل لا يكون إلا للفاعل و المتحكم فيه .

ويتجه التفكير اليوم إلى البحث عن حل بخصوص بلوغ الأغلبية الّتي تمرّر المترشحين - بما لبعضهم من مآخذ - أكثر من أي شيء آخر ، و ذلك لتجاوز الإشكاليات بين الرئاسات الثلاث ، و الحال أن هذه المحكمة ستكون عرضة لصعوبات كثيرة أخرى ، فضلا عن أن الأغلبية الحالية ، غير مستقرّة و عليها عدّة مآخذ و محكومة بمصالح آنية لا يصح اعتمادها في مسألة على غاية كبيرة من الأهمية .لذلك يصح القول - في التأني السلامة، و في العجلة الندامة- ليكون التنقيح شاملا مبني على قراءة إستراتيجية لتكون هذه المحكمة ناجعة وفاعلة ومستقلة وذات تركيبة محايدة و ذات كفاءة عالية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا