هل نستحق فعلا الطبقة السياسية التي تحكمنا ؟ !

يرسي الحديث النبوي الشهير «كيفما تكونون يولى عليكم» قاعدة إنسانية عامة تخترق النظم السياسية والثقافات والحضارات

فهنالك دوما علاقة جدلية بين الحاكم والمحكوم حتى لو لم يكن الحاكم من اختيار أو انتخاب المحكوم ..
وتبدو هذه القاعدة أقوى وأدق في الديمقراطية الانتخابية ما دام الحاكم أصلا من اختيار الشعب أي المحكوم.. ولكن في تونس اليوم هل تنطبق هذه القاعدة أم نحن إزاء استثناء تونسي جديد ؟
لو أخذنا مثلا مجلس نواب الشعب كمجال لهذه القاعدة لوجدنا أنه بداية لا يمثل سوى %40 من المسجلين ودون %30 من مجموع الناخبين المفترضين .. ثم لو نظرنا إلى الأغلبية البرلمانية الحالية المتكونة من النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وبغض النظر عن الانشقاقات اللاحقة لو جدنا أن هذه الترويكا الجديدة تمثل مجتمعة %40.6 من أصوات المقترعين أي دون %17 من عموم المسجلين وفي حدود %12 من جملة الناخبين المفترضين ..
ولكن هل يعني كل ما قلناه بأن الأغلبية النيابية النسبية اليوم إنما هي أقلية ضئيلة في المجتمع ؟

نعم ولا في نفس الوقت .. نعم أخذا بعين الاعتبار النسب الحقيقية المنجزة وذلك بكل المقاييس : المقترعين والمسجلين وجموع الناخبين المقترضين ، ولكن المسألة ليست عددية فقط ثم أين كانت هذه الأغلبية البرلمانية (النسبية دوما)؟ هي أقلية على مستوى الاختيار الشعبي فماذا نقول عن مختلف المعارضات البرلمانية؟ فهي بدورها تصبح أقلية الأقليات ووزنها شعبيا أضعف بكثير من وزن هذه الترويكا الجديدة ..
ولكن الإشكال الأساسي لا يكمن في التمثيلية العددية لهذه الترويكا الجديدة الحاكمة أو المساندة للحكومة بالأحرى بل في تمثيليتها المعنوية لجزء هام من التونسيين، وهنا نقصد التمثيلية الفكرية والسياسية والأخلاقية ..

يمكن أن نقول بأننا إزاء أغلبية محافظة متكونة من أجنحة ثلاثة : الاسلاموية التقليدية والليبرالية الاجتماعية والاسلاموية الراديكالية الشعبوية، وقد يعتقد بعضهم أن هذه الأغلبية المحافظة في تناغم مع غالبية الشعب التونسي المحافظ بدوره .. ولكن لو نظرنا بدقة إلى مفهوم المحافظة الاجتماعية من جهة والى العرض السياسي الحالي من جهة أخرى لوجدنا أن جلّ العروض السياسية التي تمكنت من التواجد في مجلس نواب الشعب إنما هي محافظة في جوهرها كذلك..ولو أضفنا إلى ذلك سلوك الناخبين في الرئاسية لوجدنا أن المحافظة هي الطاغية كذلك ولكن في عرض سياسي مختلف تماما عن الترويكا البرلمانية الجديدة ، فقيس سعيد يمثل قوة محافظة ولا شك ولكن لا علاقة لها لا بالاسلاموية التقليدية ولا بالشعبوية الاسلاموية ولا كذلك بالليبرالية الاجتماعية ، فالمحافظة محافظات كما تلاحظون ..
ولكن إشكال التمثيلية الأكبر لا يكمن بالأساس في البعد الإيديولوجي بل في البعد الأخلاقي بشكل عام ، أي في ذلك الانقطاع النسبي بين الناخب والمُنتخب وفي عدم احترام طبيعة التفويض الشعبي بعد الحصول عليه ..

وهنا لا نتحدث فقط عن الوعود الانتخابية ولكن أيضا عن الطريقة التي تتصرف بها الأحزاب الفائزة في هذا التفويض الشعبي وفي تحويله في حالات عددية من أغراضه الأولى والإعتقاد بأن الانتخاب هو صك على بياض ..
هذا التصرف المطلق والانتهازي في حالات عدة سبب أزمة التمثيلية البرلمانية في عدة تجارب ديمقراطية وهو الذي يجعلنا نصل إلى مفارقة المفارقات : الديمقراطية التمثيلية لا تعطينا دوما حكاما على شاكلة المحكومين رغم اشتراكهم في نفس المخزون الإيديولوجي بشكل عام ،ولكن الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يسمح بإصلاح ، ولو جزئي ، لهذا التفاوت بطريقة سليمة .

يبقى أن الديمقراطية لا تقي دوما من تكرار نفس الأخطاء ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا