«البلاد قاعدة تضيع ...» «شويــة عقــــــل»..

نظريا تنبثق كل معرفة علمية بشيء ما من القدرة على تكميمه (من الكمّ) أي وضعه في معادلة رياضية ولكن عندما يستحيل

الأمر أو يستعصي ظاهريا لأننا أمام مجال يتدخل فيه المخيال وتتصارع فيه العواطف فلا أقل من وضعه في سياق تفهمي يربط الجزئيات المتناثرة بتأويلية قادرة على نظمها وإضفاء معنى ما عليها ..
نحدس في بلادنا أمرا يتجلى بقوة متفاقمة يوما بعد آخر وهو تعسّر سبل الإصلاح واشتغال معاول الهدم وانحسار فسحة الأمل وهذا لا ينتج من المعطيات المادية الصلبة للبلاد بل بما يمكن أن نسميه بالفيزياء الاجتماعية لكل الفاعلين ولكل دوائر الفعل والقرار من الضئيلة جدّا إلى المستوى الوطني العام .
لو نظرنا إلى مشاكل تونس من بعد وحاولنا إيجاد حلول عقلانية باردة لها لوجدنا أننا أمام مهمة سهلة المنال إلى حدّ بعيد ،فبلادنا تشبه تلك الآلة التي أصابها عطب في أجزاء هامة من مكوناتها ولكن كل عطب قابل للإصلاح والترميم يكفي فقط الاشتغال على الأخطاء وإعادة الفاعلية تدريجيا لكل جزء على حدة ولتناسق أداء الأجزاء مع بعضها البعض تماما كما نفعل مع محرك سيارة أصابه العطب ..
ولكن ورغم ما يقال عن عقلانية الفاعل الاجتماعي أي خضوعه هو كذلك لتناسب العلاقة بين الطاقة المنفقة والنتيجة المحققة إلا أن الإشكال الرئيسي للبلاد هو عدم اشتغال جلّ فاعليها في نفس الاتجاه لتحقيق غايات واحدة أو متقاربة بل يشتغل جلّ الفاعلين ضدّ بعضهم البعض في صراع محموم من أجل حسم معارك وهمية والتحكم في لعبة أضحت بلا قواعد وبلا أهداف .

لقد اعتقدنا – كما اعتقد الكثيرون منّا- بأن انتخاب الرئيس قيس سعيد يمكن أن يشكل بداية هذا الإصلاح المرجوّ ،فالرجل من خارج منظومة الأحزاب وغريب عن منطق اللوبيات وهو يحظى بثقة لم تحصل لمن جاء قبله خلال هذه العشرية وقبلها أيضا ..فكل العناصر كانت مجتمعة لاعادة بناء عقد ثقة بين مختلف مكونات البلاد وتوجيه كل القوى والطاقات في اتجاه المشترك الوطني بالعمل ثم العمل والعمل والتقدم وإصلاح كل عطب وبذل الجهد والاجتهاد لخلق الثروة ولتوفير شروط النهوض وخلق المزيد من الخيرات وشحذ الهمم وبداية إنجاز كل الإصلاحات الضرورية ..
ولكن وبعد مرور حوالي السنة من توليه رئاسة البلاد حصل العكس تماما : معارك ومصطلحات حربية ضدّ أعداء هلاميين ورغبة مستمرّة في الاستئثار بكل مقاليد السلطة لا لتغيير واقع حياة الناس بل لمحاربة خصومه بخطاب يثير المخاوف والهواجس ولا يسعى مطلقا لتجسير الثقة بين المواطنين ومختلف مؤسسات الدولة ..

نقول وللإنصاف بأن جلّ الفاعلين السياسيين والاجتماعيين ساهموا أيضا في حالة كسر العظام هذه والسعي للاستئثار الكلي أو الجزئي بالسلطة وبمفاصلها فيما يشبه الإقطاعيات أو القبائل المتناحرة تحت شعار : السلم داخل القبيلة والحرب خارجها..
وما زاد في تدهور ما تبقى من ثقة في إنقاذ البلاد هو الصراع المعلن بين مختلف أجنحة السلطة ، صراع يزيد في هواجس المواطنات والمواطنين ويشعرهم بأن كبار المسؤولين في الدولة غير معنيين بالإسهام المشترك في حل مشاكلهم بل همهم الوحيد من يحكم بالمعنى السطحي والمجالي فقط للحكم أي من يملك السلطة لا من يملك إمكانيات تغيير وتحسين أوضاع الناس ..
نقول مجددا بأن كل مشاكل تونس قابلة للحلّ وانه بإمكاننا بناء عيش مشترك تكون فيه الرفاهية متاحة للعدد الأكبر من المواطنين ولكن شريطة أن ينجح جلّ الفاعلين وعلى رأسهم كبار المسؤولين في الدولة في إعمال العقل والكف عن الصراعات الوهمية والقبول نهائيا بالعمل سويا وفق منطق الدستور والمؤسسات لا حسب المزاجات الشخصية ..
مازال بالإمكان إنقاذ البلاد .. «شوية عقل» فقط ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا