الأحزاب والهجرة اللانظامية

تتأسّس بين فترة وأخرى، أحزاب وائتلافات وتكتّلات على أنقاض أخرى، في محاولة لترميم ذاتها واسترداد مواقعها وخدمة مصالحها دون أن تقوم بالمراجعة الهيكلية

لبرامجها وخططها، ودون أن يُسائل أصحابها(نجيب الشابّي، سلمى اللومي،ناجي جلّول...) أنفسهم ما الّذي جعل الناخبين ينفرون منهم؟ثمّ ما الإضافة التي يروم هؤلاء تحقيقها من وراء ‹انبعاثهم› من جديد؟ وهل بإمكانهم تقديم تصوّرات جديدة وابتكار حلول لمشاكل مستعصية ربّما كانوا في يوم ما، سببا في تفاقمها؟. فماذا بوسع «العائلة الوسطية» أن تفعل لتقنع الشباب بأهميّة العمل السياسي والانخراط في الأحزاب؟ وما الخطاب المطمئن والمقنع الذي يمكن أن توفّره هذه الشخصيات الباحثة عن «عذرية جديدة» للمراهقين المندفعين نحو القيام بعمليات الانتحار أو العائلات التي صارت تؤثر الهروب من تونس في «قوارب الموت»على البقاء فيها؟ وهل بإمكان هذه الشخصيات أن تواجه احتجاجات الكامور وفيالق الشبّان والكهول الذين أوقفوا إنتاج الفسفاط، وهدّدوا بإغلاق النفاذ إلى موارد النفط والماء وغيرها؟

لقد صار من السهل جدّا تأسيس الأحزاب: يكفي أن تُوفّر المال والخلاّن والأتباع وبعض الانتهازيين والراغبين في السلطة والغنائم واللاهثين وراء المرئية، وتحفظ بعض الشعارات وتتدرّب على أشكال المراوغة والإيهام حتى تزعم أنّك «سياسيّ» صاحب «مشروع» و(«باتيندا») لخدمة الوطن.ولكن «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ما العمل حتّى تستردّ مؤسسات الدولة عافيتها و«هيبتها» وتفارق وضع الهشاشة؟ وما هي الاستراتيجيات الكفيلة بدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام وإعادة بناء ثقة المستثمرين في الدولة؟ وكيف السبيل إلى إقناع التونسيين بأهميّة العمل؟

وفي ظلّ ترتيب الأحزاب الفاعلة في البلاد لأولوياتها وفق التوازنات السياسية وحرب التموقع يغدو ملفّ الإرهاب على رأس الأولويات عند البعض بينما يتحوّل ملفّ المصالحة الاقتصادية عند البعض الآخر إلى أولويّة الأولويات. أمّا ملفّ الهجـرة اللا-نظامية فلم يحتلّ الصدارة ولم ينل اهتمام أغلب النوّاب فهو ملفّ شائك يفضح محدوديّة الأحزاب وعجزها عن مواجهة هذه المعضلة. وعلى هذا الأساس نقدّر أنّ ملفّ الهجرة اللا-نظامية صار بمثابة محرار تقاس به جديّة الأحزاب وقدرتها على الفعل في الواقع بمحاصرة ظاهرة لها انعكاسات اجتماعية وأمنية وسياسية.

فعلى مستوى العلاقات السياسية بين الدول توتّرت العلاقة بين تونس وبلدان الجوار، وخاصّة إيطاليا بعد تدفّق أعداد هائلة من التونسيين على جزيرة لامبادوسا ممّا جعل السلط الإيطالية تمارس ضغطا على الحكومة التونسية لانتزاع موافقتها على مضاعفة عدد «المرحّلين قسريّا». وشكّل «غزو التونسيين» إيطاليا وعبورهم إلى أوروبا موضوعا مستفزّا للرأي العامّ ومثيرا للسخط والغضب فلا غرابة أن تتكثّف المشاوارات من أجل وقف هذا «النزيف» (بين 18 و20 سبتمبر غادر 26 مركبا البلاد التونسية حسب وسائل الإعلام الإيطالية).

أمّا اجتماعيّا فالظاهرة اتّخذت ملامح جديدة إذ لم تعد ‹الحرقة› حكرا على الشبّان بل صارت كلّ الشرائح العمرية ممثّلة بما فيها الرضّع. ولم تعد المغامرة علامة دالة على الرجولة بل أضحت الفتيات والنساء مقبلات على اختبار مسار «الحرقة». وبعدما كانت ‹الحرقة› حلما يدغدغ الأفراد صارت عائلات تفرّ من الوطن بل صار الحيوان الأليف المرافق الأثير. ولئن كان المرء يشعر في ما مضى، بالخجل والأسى وهو يتسّلل ليلا إلى السواحل فإنّ الصور الأخيرة للعائلات المتوجهة إلى إيطاليا تشير إلى هيمنة حالة الفرح والغبطة على أصحابها.

سؤال الهجرة اللا نظامية يطرح على الفاعلين السياسيين بالدرجة الأولى، إشكاليات كبرى: منها ما يتعلّق بمدى قدرتهم على تحليل أسباب الظاهرة وفهم علاقتها بدور الأسرة والتنشئة الاجتماعيّة، والتعليم ونمط العيش،والمؤسسات الثقافية ... ومنها ما له صلة بقدرتهم على التفاوض مع شرائح كبرى من التونسيين الذين باتوا يجاهرون بمقتهم للبلاد ورغبتهم في إعلان القطيعة مع الوطن، ومنها مدى استيعابهم لما تقوم عليه المقاربة الأمنية من رهانات، ومنها مدى معرفتهم بدلالات الخطاب الغربي المنبثق عن الفكر الاستعماري وطرق مواجهته تحقيقا للسيادة الوطنيّة، ومنه مدى إلمامهم بالبعد الحقوقي وما يوفّره من آليات وحجج تجعل التفاوض على قاعدة النديّة ممكنا.
لا يكفي أن نعلن عن ولادة الأحزاب ونتموقع باعتبارنا أصحاب سلطة وقرار ومال وجاه بل المهمّ هو أن نكون مؤهلين لمواجهة المشاكل الحقيقية للتونسيين حاملين لرؤية ومشروع ومستعدّين للتضحية في سبيل تغيير واقع المنسيين والمهمّشين واللامرئيين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا