الشعبوية !

التونسيون الذين صوتوا بكثافة غير مسبوقة لقيس سعيد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية ذات 13 اكتوبر 2019 هم بصدد الاكتشاف التدريجي لرئيسهم

إذ كان جلهم يجهل كل شيء عنه سوى انه أستاذ جامعي مختص في القانون الدستوري ورجل نظيف لم يتمرغ في أوحال السياسة السياسوية ولوبياتها المعروفة .
كنا نعتقد أن انتخاب قيس سعيد قد يمثل فرصة لتونس لتنكب على مشاكلها الفعلية ولتشحذ كل الطاقات للعمل والبناء والنهوض المادي والمعنوي بكل بناتها وأبنائها ..
ولكن كل هذه الآمال بصدد التبخر التدريجي .. فقيس سعيد تجلى كشخصية شعبوية تماما كما هو الحال في عدة دول أخرى في العالم ..
خصائص شعبوية قيس سعيد تتجلى في شعاره المركزي «الشعب يريد ويعرف ماذا يريد» يضاف إلى ذلك أن «الشعب» هو الطهر والنقاوة والخير وأن بلاده – بلادنا- من أغنى دول العالم ولكن أسربة من الجراد بصدد نهبها ونهشها وهؤلاء «الجراد» الذين يسرقونها صباحا مساء ويوم الأحد يدعون الإصلاح في حين أنهم يفقرون الشعب وينهبون خيراته ..

لم يأت قيس سعيد بالجديد.. هذا هو جوهر الخطاب الشعبوي منذ القرن التاسع عشر: النخب خائنة وعميلة ومنحطة .. والحل يكمن في إزالتها واستبدالها بمن يمثل الروح النقية الطاهرة الأزلية للشعب ..ولذلك نشأت الشعبوية في أحضان أقصى اليمين وكانت ضد كل أفكار الحرية باعتبارها ترفا للنخب محروم منها الشعب ..وبالطبع تنهل الشعبوية اليوم من اليمين ومن اليسار إذ تضيف إلى ترسانتها القديمة مفاهيم قوى المال المحلي والدولي المتربصة بخيرات الشعوب والمتآمرة عليها موحية أن الحل يكمن في الثقة المطلقة في القائد الفذ المنقذ للشعب من براثن الخونة المحليين وداعميهم من وراء البحار والمحيطات ..
الشعبوية محتاجة دوما لخلق عدو داخلي – نخب الحكم والفكر والثقافة والإعلام - وهذا بالضبط ما يسعى إليه قيس سعيد بالتلميح والتصريح والإيحاء عندما يتحدث عن الغرف المغلقة والمؤمرات وهذه المرة على الجراد الذي يأتي على الأخضر واليابس..
يبدو من خلال نظرة خارجية أن قيس سعيد لا يدرك بالضبط كيف يشتغل الاقتصاد وما حجم ثروة البلاد ولا -كذلك- كيف تخلق الثروة وتدار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية..
قلنا أن هذه نظرة من الخارج لأنه بإمكان رئيس الدولة أن يحيط نفسه بالخبراء والمختصين، ولكن شؤون الاقتصاد العملية بصعوباتها المالية والاجتماعية لا تعنيه ولا تندرج مطلقا في تصوره لان الواقع العملي الملموس هو واقع النسبية والتنسيب والمشاكل الفعلية والحلول العملية ، عالم فيه النجاح غير مضمون والخطاب الاطلاقي المميّز لكل خطاب شعبوي غير فعّال ..فقيس سعيد يختار ميادين النزال ويبتعد ،عن قصد، عن المناطق الرمادية الصعبة ، مناطق العمل اليومي للتغيير الفعلي ويعتمد – إلى حدّ الآن – على قوة الرمز والإيحاء وعلى خلق صورة المنقذ لما أفسده «الجراد» منذ ستينات القرن الماضي كما هو الحال في أملاك الدولة حسب تقديره ..

يخطئ من يعتقد أن رئيس الجمهورية لا يدرك عالم السلطة بل هو يتفاعل معه من موقع ومنطق السلطة ذاته، بل السلطة بمعنى التمدد المجالي المستمرّ، فلقد أراد حكومة على صورته ولإنجاز ما يتصور أنه مشروعه للبلاد فلما اخفق في ذلك وتحولت التحالفات نجده اليوم يسعى لتثبيت كل من اختارهم في حكومة المشيشي ولتأكيد ولائهم له والتهديد بفضح كل من يريد إزالتهم في إشارة واضحة مرة أخرى للتحالف البرلماني الذي تقوده حركة النهضة مع شريكها الأساسي قلب تونس المتهمين بوضوح بكونهم من «الجراد» الذي ينهش البلاد أو على الأقل من حماته وداعميه،هؤلاء أنفسهم (النهضة وقلب تونس) الذين يعدون بالإصلاحات الكبرى وهم يفقرون الشعب ويزيدون في إملاقه ..
السؤال الأساسي اليوم هو لمَ يصمت العديدون (أحزاب ومنظمات وشخصيات عامة) أمام هذه الشعبوية الزاحفة ؟ بل لِمَ يغالطون رئيس الدولة بالتصريح بأن هذه هي الطريق السالكة للبلاد ؟..
هنالك عنصران يفسران هذا الصمت «الإيجابي»:
• أولا خوف العديدين من الاصطدام الافتراضي مع أنصار الرئيس قيس سعيد والذي هو بصدد التحول عندهم إلى أيقونة مقدسة يكون كل نقد لها خيانة وعمالة وسفالة ..
• أما العنصر الثاني والاهم هو الشماتة في الإسلام السياسي وحلفائه ..فما دامت النهضة هي الهدف الأساسي للصواريخ الرئاسية يكون من «الغباء» حسب هؤلاء التباين مع الخطاب الشعبوي للقصر .
وكأن الشعار اليوم هو عدو عدوي هو صديقي بالأساس ..
وهنا لا تهم المخاطر التي يمكن للخطاب الشعبوي أن ينتجها وليس من أدناها دعوة الجميع إلى الكسل مادامت بلادنا من أغنى بلاد العالم (هكذا !) أو دعوة «الشعب» المبطنة إلى الإطاحة بالمؤسسات الديمقراطية أو تخويف المستثمرين المحليين والأجانب أو إضعاف الحكومة بخلق ازدواجية الولاء داخلها..كل هذا يهون من أجل كسر عظام الإسلام السياسي وحلفائه ..
مصير غريب هذا الذي نراه أمام أعيننا بعد عقد كامل من الثورة ،إما الإسلام السياسي أو الشعبوية المحافظة بل والرجعية أو - أحزاب المال أو الحنين إلى الماضي ..
يبدو أننا تهنا في الطريق ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا