بعد إعفاء وإستقالة سفير تونس بالأمم المتحدة: الدبلوماسية التونسية تُضيّعُ خطاها (!؟)

لم تمر إستقالة سفير تونس في الأمم المتّحدة قيس قبطني من السلك الدبلوماسي -كرد فعل على قرار إعفائه-، دون أن تثير

الحديث عمّا أعترى السياسة الخارجية التونسية في السنوات الأخيرة،من تحولات أساءت بعضها لعلاقات تونس ولصورتها و لإعتبار سلك إطارات الخارجية وممثليها الدبلوماسيين خاصة و أن هذا الإعفاء من هذا المنصب هو الثاني خلال سبعة أشهر فقط.

لقد كان التونسيون يطمحون إلى تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية ، في محاولة فك الخناق المضروب على البلاد بسبب إستفحال الأزمة الإقتصادية والاجتماعية ومجابهة التداعيات الّتي لحقتها ككل الدول تقريبا بسبب كوفيد 19 . و ينتظر أي كان أن تشهد الخارجية التونسية ودبلوماسيتها، التذبذب وعدم الإستقرار اللذين ميزا الفترة الأخيرة. فبعد فقدان التوازن في فترة حكم محمّد المرزوقي ، استرجعت تونس في فترة رئاسة محمّد الباجي قائد السبسي بعض هذا التوازن، إذ عاد بعض الاعتبار للدبلوماسية التونسية رغم مكرهات «التوافق».
هذه الدبلوماسية عوّلت كثيرا على إطاراتها الّتي كسبت التجربة على مر السنين و حازت إستحسان المجتمع الدولي لانتهاجها ما كان يُسمى بالحياد الإيجابي حيال مختلف الخلافات الدولية والإقليمية و تدخلاتها الرشيقة و المتزنة وفاء لمبادئها العامة في عدم التدخل في شؤون بقية الدول ،و في عدم الإنحياز مع مناصرة القضايا العادلة والتمسك بسيادة البلاد و إستقلالية قراراتها، و التعامل إقتصاديا مع بقية الدول بما يخدم المصالح المشتركة.
لذلك كان التونسيون يفتخرون بمواقف بلدهم الخارجية و بتأسيس مدرسة تونسية أسس لها بورقيبة و تبنتها الأجيال المتعاقبة و أصبحت من الثوابت الّتي سار على هديها مختلف الّذين تحملوا حقائب الخارجية واضطلعوا بمهام تمثيلها دبلوماسيا .
هذه الثوابت كانت مستندة إلى دولة قوية تعتمد على إطارات تم تكوينها و توجيهها وفق سياسة تعرفُ ما لها و ما عليها و تقدّرُ حجمها و إمكانياتها و محيطها ، لذلك لم تهزها الشعارات و لم تعصف بها المتغيرات الإقليمية و الدولية ، دون أن تحيد عما كانت تجهر به في مختلف المحافل الدولية . و هو ما جعل علاقاتها -في الغالب- مستقرة في محيطها المغاربي و العربي و الإقليمي والدولي ، بل كانت حازمة في مؤازرتها للشعب الجزائري في حربه التحريرية و في وقوفها الدّائم مع الشعب الفلسطيني وفي مناهضتها للميز العنصري و وقوفها إلى جانب القضايا العادلة بدعمها أو تبنيها لمختلف المواقف واللوائح المناهضة للاستعمار والحروب وسياسات العنف والإرهاب.
لذلك يحز في نفوس التونسيين أن يقفوا على «اللّخبطة» الّتي اعترت المعالجة الدّاخلية لسياستها الخارجية ،و إنعكاساتها على المكانة الاعتبارية للدولة التونسية في الخارج، في عالم مفتوح يقتضي أن يكون وجه تونس دائم القبول ومجلبة لتقديرها و التعاطف معها ومؤازرتها عندما تكون في حاجة إلى ذلك .
لا شك أن تغير الأوضاع السياسية إثر جانفي 2011 كان له أثر بالغ في حصول التذبذب في السياسة الخارجية بسبب إرتقاء مكونات جديدة للمجتمع السياسي و حدوث تغيرات في ممارسة السلطة ،الّتي لم تعد محكومة بموقف مركزي موحد خاصة بعد أن أقرّ الدستور الجديد أن حقيبة الخارجة لا تسند إلا بالتشاور مع رئيس الدولة و ان هذا الأخير يختص بضبط السياسات العامّة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية و الأمن القومي. وهذا يعني أن لرئيس الجمهورية كلمة في إختيار وزير الخارجية و في التعيينات الدبلوماسية ،و تكون هذه الكلمة أكثر قوّة إذا كان هناك تناغم بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية . من هنا كان لرئيس الجمهورية. حتي قبل صدور الدستور الجديد دور في السياسية الخارجية، وهو ما يعني أن هذا المجال ارتبط – تقنيا – بشخص رئيس الجمهورية ، لذلك شهدنا اختلافا في السياسة الخارجية في الرئاسات الثلاث الّتي عرفتها تونس خلال العشرية الماضية (المرزوقي – السبسي – سعيد ). و تنضاف إلى ذلك التأثيرات الحزبية داخل البرلمان الّتي تميزت إلى حد الآن بتباين في المواقف بخصوص العلاقات الخارجية و في العلاقات مع المحاور الإقليمية و حتى في العلاقات الثنائية لأسباب سياسية أو عقائدية أو فكرية أو مصلحية ضيقة .
هذا التباين لم يكن داخليا - داخليا ، تقع معالجته وفق مقتضيات مصلحة الدولة العليا، بل أصبح يُعرضُ بـ«المكشوف» - في العلن وعلى قارعة الطريق» كما يقال ، و وصل الأمر إلى إتخاذ مواقف مختلفة بين رئيس الجمهورية و رئيس مجلس نواب الشعب ، في نفس المسألة واستعراض كل ذلك علنا. و كانت هذه المواقف متذبذبة - إن لم نقل متضاربة أحيانا - و متسرعة و لم تأخذ بعين الإعتبار السيادة التونسية و مصلحة تونس.
كل هذا لم يحصل في منأى عن إطارات وزارة الخارجية و الممثلين الدبلوماسيين لتونس ، بل كانت بعض الإطارات العليا في وزارة الخارجية والعاملين فيها و عدد من الدبلوماسيين ، في قلب التجاذبات ،ممّا أدى إلى إعفاءات و إقالات و إستقالات مست ولحقت حتى من كان على رأس وزارة الخارجية وعدد من الدبلومسايين.
وقد وقع المس من جسم الإطارات والدبلوماسيين دون تقديم أسباب مقنعة وفي ظرف متسرع – و هو أمر متكرر- أعطى الإنطباع بأن ما يحصل ناجم عن ضغوطات وعن إعتبارات قد لا تكون مهنية بحتة، وتكرار مثل ها الأمر، يفقد الخارجية ثوابتها، ويزعزع ثقة أبناء الخارجية في أنفسهم ، ويفقد التنافس في الأداء مكانته ، ويوحي بأن المهنية فقدت اعتبارها و حل محلها الولاء للأشخاص بدل الولاء للوطن فقط .
إن التخوّف من تغير العمل بمقاييس التجربة والمهنية و حسن الأداء ، إلى إعتماد الولاء مصعدا للمناصب ، أصبح أمرا غير خفي ، وهو ما يقال في السر وفي العلن ، ويُرجعه البعض إلى الخلافات في تعيين البدائل في بعض المواقع الدبلوماسية ، والدليل على ذلك بقاء أكثر من تمثيلة دبلوماسية شاغر لمدة عشرة أشهر (10)، رغم حيوية المواقع ورغم الحاجات الملحّة للنشاط الديبلوماسي في أكثر من بلد.
لا يقبل التعلّل عن نقص تجربة في مثل هذه المجالات إذ لا أحد يجهل حساسية هذا المجال و آثاره على سمعة البلاد ،و لذلك لا يعذر الدبلوماسي عندما يخرج عن النواميس المعمول بها ، كما لا يعذر الماسك بالسلطة بتجاهل الصورة الّتي يتم تسويقها في الخارج ، ولا يقبل التسرع ، خاصّة إذا لم يكن هناك خطر مشهود يخشى منه على تونس ، التي تبقى فوق كل إعتبار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا