بعد العملية الإرهابية الجبانة بأكودة: في مخـــــاطر التنسيــــب والتبييض

ضرب الإرهاب مجددا واستهدفت مجموعة إرهابية دورية قارة للحرس بأكودة باستعمال الدهس بسيارة ثم الطعن بالسلاح الأبيض وافتكاك السلاح،

بهمجية وشراسة دموية تنبئان بالحضيض الذي يمكن أن يسقط فيه بعضهم بعمليات الأدلجة الإرهابية .. فاستشهد الوكيل سامي المرابط وأصيب الوكيل رامي الإمام بجروح بالغة..
في أقل من ساعة ونصف بعد حدوث هذه الجريمة المروعة من ملاحقة عناصر هذه المجموعة وتصفية ثلاثة منهم وإيقاف رابع علاوة على المداهمات اللاحقة والتي أدت إلى الاحتفاظ بسبعة أشخاص مشتبه بهم وقد يكونوا لعبوا دورا ما في هذه العملية الجبانة..
قلنا مرار وتكرار في هذه السطور ومنذ سنة 2013 أن تونس ستنتصر لا محالة في هذه «الحرب» المفروضة عليها من قبل جماعات الإرهاب السلفي الجهادي المعولم والسؤال الوحيد هو ما الكلفة البشرية والمادية لهذا الانتصار فقط لا غير .
عناصر عديدة تتحكم في هذه الكلفة البشرية والزمنية والمادية منها ما هو محلي ومنها ما هو إقليمي وحتى دولي إذ أن الإرهاب السلفي الجهادي معولم وهو لا يتأثر فقط بالمعطيات المحلية .
من بين هذه العناصر البعد الأمني وهو ضروري بدءا بالعمل الاستخباراتي وصولا إلى الملاحقات الميدانية وفي هذا تونس ناجحة إلى حد بعيد ..
ولكن المقاربة الأمنية تحتاج إلى استراتيجيا عمومية تحد بصفة كبيرة من الجاذبية الدموية لهذه الجماعات وكذلك إلى صف وطني موحد ضدّ هذه الآفة دون أي تساهل أو تسامح مع هذا الصنف من الإجرام..
لا نريد أن نعود إلى الأشهر والسنوات الأولى للثورة حيث كانت هنالك أذرع سياسية وإعلامية و»حقوقية» تدافع عن مجموعات الدم هذه بطرق شتى ، وللتذكير فهذه الأذرع لم تكن تنتمي كلّها لجماعات الإسلام السياسي وكنّا حينها إزاء عملية تبييض واسعة لمجال للإرهاب بدءا بإنكاره (شباب يمارسون الرياضة في الشعانبي) أو الترويج بأن الجماعات الإرهابية (أنصار الشريعة والقاعدة تحديدا) لا تعتبر تونس أرض «جهاد» بل أرض «دعوة» ثم نسبة العمليات الإرهابية إما لـ«المنظومة القديمة» أو لمخابرات أجنبية تستغل سذاجة السلفيين الجهاديين لتنال من «الثورة والانتقال الديمقراطي» ثم اعتبار أن وزارة الداخلية هي «وزارة إرهابية» وان الإرهابيين إن هم إلا ضحايا قمعها وكذلك اتهام الفقر والتهميش للتقليل من شأن الإرهاب والإرهابيين ..
صحيح لقد تغيرت الصورة اليوم بشكل كبير ولكن لا يمكن أن نطلب من التونسيين أن يكونوا دون ذاكرة خاصة وأن بعضهم مازال بالضبط في نفس هذا التبييض وهم الآن في مجلس نواب الشعب ولا يفوتون مناسبة واحدة دون التذكير بالأصول الاجتماعية لمقترفي العمليات الإرهابية او «التعذيب» الذي تعرضوا له داخل «زنزانات وزارة الداخلية» قبل أن يخرجوا دوما الدليل «الدامغ» وهو اليد الاستخباراتية سويعات قليلة بعد كل عملية إرهابية وآخرها عملية أكودة الجبانة.
نحن أمام عملية تبيض بأتم معنى الكلمة أي تغطية عن الفاعل الأصلي ونسبة العملية إلى فاعل مجهول لا نقدم على وجوده أي إثبات أو بداية حجة مقنعة وهكذا نريد تحويل وجهة الصراع من حرب ضد مجموعات الإرهاب السلفي الجهادي المعولم ( القاعدة وداعش وفروعهما) إلى صراع ضد جهة استخباراتية مجهولة يقال لنا بأنها تريد استهداف «الثورة والانتقال الديمقراطي» ..
والحال أن هذه الجماعات تسفك الدماء في كل البلاد العربية وفي جل البلدان الغربية كذلك.. والحال أيضا أن تنظيم داعش الإرهابي قد تبنى هذه العملية الجبانة ونحن لا نذكر أننا قرأنا ولو مرة واحدة ادانة واضحة لا لبس فيها للقاعدة أو لداعش الإرهابي أو اتهامهما بالعمالة لجهة أجنبية من قبل هؤلاء المبيضين..
نريد هنا أن نؤكد على فكرة بسيطة: لا مصلحة لتونس ولبناتها وأبنائها في توسيع غير عقلاني لدائرة الأعداء ، وكل مناصر للإرهاب هو عدو لتونس دون شك ، ولا نريد كذلك أن نضع في الزاوية أي طرف أو أن نعتبره سجينا أبديا لسياسة أو مواقف سابقة.. فنحن نحتاج إلى محاصرة العدو الحقيقي لبلادنا وقطع كل أواصر الاتصال بينه وبين كل شبابنا.. فالحرب لا ينبغي أن تحصل بين الخصوم السياسيين مهما تباعدت بينهم المواقف ولكن في نفس الوقت نحتاج إلى فرز جدي للصف الوطني المناهض للإرهاب وألا نهوّن من كل عملية تبييض أو تنسيب لجرائمه..
تونس قد انتصرت على الإرهاب نهائيا وما نشهده الآن هو زفرات الموت لهذه الآفة.. وعلى كل طرف أن يختار موقعه مع البلاد أو عليها .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا