في مُعيقــــات الهدنــة

أصبحت» الهدنة» كلمة السرّ لجلّ القوى السياسية والاجتماعية وهي تعبيرة سياسية عن حالة القلق العام التي ألمّت بالتونسيات والتونسيين

مع ما يصاحبها من خوف على الحاضر وتوجس من المستقبل وقرف من حالات التنازع السياسي والاحتجاج الاجتماعي والتراجع الاقتصادي مع الشعور أحيانا باضطراب الأمن وبتنامي الجريمة المستهدفة للأشخاص والممتلكات..
الهدنة في نهاية الأمر هي مطلب عموم الناس وهي تعبير عن الرغبة الملحة في استئناف نسق عادي للحياة الفردية والجماعية .
ولكن ما بين هذا المطلب العام وبين إمكان تحققه معيقات شتى بعضها يتأتى حتى من أولئك المنادين بها ..
الهدنة السياسية هي أدنى مستويات الهدنة ولكنها - هي كذلك- لها شرطها الأساسي الذي لو غاب لاستحالت كل أصناف الهدنة الأخرى.. ولكن كل المؤشرات تدل اليوم على أن هذه الهدنة أصبحت صعبة المنال إذا لم نقل أنها قد ابتعدت كليا عن كل أفق سياسي منظور ..
لقد تركت الأزمات السياسية المتعاقبة منذ الانتخابات العامة في الخريف الفارط شروخا ضخمة بين كل الفرقاء حتى بين من كان يفترض أن يكونوا حلفاء ،فرافقت تذرر المشهد البرلماني انقسامات حادة وصراعات عدائية ألغت كل المناطق الرمادية ، حالة زادتها التلويحات الرئاسية الأخيرة بمناسبة أداء اليمين لأعضاء الحكومة الجديدة حدّة تراجيدية فلم نصبح أمام خصوم سياسيين بل أمام أعداء وهنا تأخذ تعليقات نورالدين الطبوبي الأمين العام للمنظمة الشغيلة كل أبعادها عندما يطلب توضيحات حول هوية هؤلاء «الخونة» المرتمين في أحضان «الاستعمار والصهيونية» حتى نعرف – كما قال نورالدين الطبوبي – مع من سنبني هذا الوطن..
اليوم قد انقسمت الساحة السياسية بصفة جدية وعدائية بشكل تستحيل معه أية هدنة ممكنة ، بل لعلنا قد بلغنا مستويات شبيهة جدا بما كان عليه حال البلاد سنة 2013 بل لعله اخطر من ذلك باستثناء العنف السياسي وعمليات الاغتيال التي أدمت البلاد ومازالت جراحها لم تندمل إلى حدّ اليوم .
الشعار المعلن عند بعضهم هو «الهدنة» ولكن واقع الحال يشير إلى توثب ما ليوم الحسم وإلى «فرز» نهائي لسنا ندري ما ستكون مآلاته ..
ولكن لو تركنا جانبا السياسة والسياسيين ،هل يمكن أن نتصور هدنة اجتماعية ؟ أي عودة سريعة للإنتاج بأقصى الطاقة في مناجم الفسفاط وحقول النفط والغاز مع عقد اجتماعي يتوافق عليه كل أطراف الإنتاج من شغالين ومشغلين وفلاحين وحكومة.. ولكن كل هذا يتطلب اقتناعا من كل هذه الإطراف المنظمة وكذلك لأهم الحركات الاحتجاجية بضرورة هدنة شاملة وبأولوية الإنتاج وبتحقيب زمني معقول للمطالب الاجتماعية ..
هل بإمكان حكومة المشيشي أن تقنع كل هذه الأطراف بمنحها الهدنة التي تطالب بها؟ وهل بإمكانها خاصة إقناع الجميع بأنها حكومة مستقرة قادرة على الانجاز وعلى الإيفاء بالتعهدات التي ستقطعها على نفسها ؟
الواضح أننا أمام مهمة صعبة وصعبة للغاية خاصة إذا ما تواصل هذا التنازع السياسي بين الأحزاب والكتل البرلمانية من جهة وبين النهضة وحلفائها مع رئاسة الجمهورية من جهة أخرى ..
شروط إمكان الهدنة في هذه المناخات تبدو كفرضية اصطفاف كل الكواكب على خط واحد..
إنه الامتحان الأهم لصاحب القصبة الجديد: بناء الحد الأدنى من الثقة بين الأطراف السياسية والاجتماعية ، لو نجح فيه ، ولو نسبيا ،سيكون بإمكانه التبليط التدريجي لطريق الهدنة المليء بالانكسارات أما لو اخفق في المداخل الأولى أو تجاوزته معارك الأحزاب ومؤسسات الدولة فحينها ستقبر هذه الهدنة قبل ميلادها ..
ورغم كل ذلك كم تحتاج البلاد إلى هدنة لاسترداد الحد الأدنى من الأنفاس بعد أن أرهقت هذه السنوات العشر الجميع .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا