أزمة انتقال ديمقراطي ندر فيه الديمقراطيون

ما يحدث في بلادنا في هذه الأيام والأسابيع الأخيرة يخرج أحيانا عن كل محاولة تفهمية والحدّ الأدنى – غير المضمون – من المعقولية وكأننا إزاء فاعلين كل أفعالهم أو جلّها عبث.

لقد اعتبر الفيلسوف الألماني العظيم هيغل أن الدولة هي العقل ، والعقل هنا ليس فقط تلك الملكة المنظمة لكل معارفنا عبر آليتي التحليل والتركيب (l’Entendement) ولكن كذلك بمعناه الميتافيزيقي إن شئنا، أي أنها لا تضفي المعقولية على الأشياء من خارجها بل هي جوهر الأشياء وأساس تحققها.
ومن خاصيات العقل أن تكون منتجاته خاضعة لمعرفة كونية ويمكن تعميمها وإعادة إنتاجها والتثبت من فاعليتها وفق قوانين هذه الملكة الإنسانية الكونية في بعدها الذرائعي على الأقل ..

لو عدنا إلى كل النصوص القانونية والدستورية المنظمة لعلاقات البشر بعضهم ببعض والتي تهدف كلها إلى تبيان قواعد العيش المشترك وضمان ديمومته نجدها كلها انبنت على فكرة بسيطة وهي تنزيه أفعال العقلاء عن العبث وافتراض حسن النية والحد الأدنى من النزاهة في قراءة وتأويل النصوص القانونية والدستورية ، وأن الفاعل العمومي يهدف عامة إلى خدمة

الصالح العام حتى وإن أخطأ أو قصّر في ذلك بل حتى وإن تحايل أحيانا، ولكن لو حطّمنا كل هذه القواعد الأساسية سوف تنهار البناية ويعجز العقل عن أي صيغة تفهمية لما يحدث .

لنأخذ مثالا واحدا على ذلك : يفترض الفصل 89 من الدستور طريقتين لتعيين رئيس الحكومة بدءا بمرشح الحزب أو الائتلاف الفائز في الانتخابات التشريعية فإن عجز عن ذلك تعود المبادرة إلى رئيس الجمهورية ويقول النص الدستوري بوضوح: «يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في اجل أقصاه شهر».

فالنص يتحدث عن مشاورات والصيغة تفاعلية بما يعني ضرورة التفاعل بين المُشاوِر والمُشاوَر ثم يختار الشخصية الأقدر تبعا لنتيجة هذه المشاورات..

ولكن عندما لا يتشاور رئيس الجمهورية مع الأحزاب والكتل البرلمانية بل يكتفي بالمراسلة الكتابية وعندما لا يكون اختياره نتيجة لهذه المشاورات التي يفرضها عليه الدستور نكون في أيام قليلة قد خرجنا من منطوق النص ومضمونه إلى سياق مختلف تماما لم نتواضع عليه ولا ندري ما هي مآلاته.. فلا نستغرب بعد ذلك أن يعارض رئيس الجمهورية الشخصية التي كلفها بتشكيل الحكومة في نفس اليوم بخصوص المرشح لوزارة الثقافة .. كما لا نستغرب استعمال رئيس الحكومة المستقيل لتأويل خاص للوظائف العليا للدولة حتى يقيل في الدقيقة الأخيرة رئيس هيئة مكافحة الفساد الذي كشف وأكد وجود تضارب مصالح وتهرب ضريبي عند رئيس الحكومة..

في الحقيقة هنالك معقولية ما لكل ما يحدث ولكن عناصرها مخيفة إذ نجد أنفسنا أمام أهم الفاعلين في الانتقال الديمقراطي جلهم يتغنون بالديمقراطية دون إيمان بها اي دون استبطان لها، بل أن الديمقراطية عندهم هي طريق للوصول إلى السلطة ثم بعد ذلك يسعون إلى التمدد وتوسيع دوائر الولاء والنفوذ بإفراغ النصوص من محتواها وفلسفتها وتوظيف إمكانيات الدولة لا لتحقيق الصالح العام بل لتوسيع مستمر لدوائر النفوذ فقط لا غير.

نعلم جميعا أن أهم العائلات الفكرية والسياسية قبل الثورة من دستوريين وإسلاميين وقوميين ويساريين كانت علاقتهم بالديمقراطية إما عدائية أو ذرائعية فحسب ، والواضح أن الأمور لم تتغير بصفة جوهرية.
الإشكال الأساسي لتونس اليوم أنها تريد النجاح في انتقال ديمقراطي دون ديمقراطيين حقيقيين فجلّ الصراعات هي حول اقتسام السلطة ومناطق النفوذ .. أما البناء الديمقراطي المشترك وخدمة الصالح العام وفق عقلانية مفتوحة ،فذلك عصر لم تظهر بعد بواكيره الأولى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا