بعد تأويل الدستور، تأويل القرآن: المساواة والعدالة والحرية: قيس سعيد والرسائل الخطأ

لقد أراد قيس سعيّد أن يضع بصمته الفكرية على حدث يحتفي به التونسيون كل سنة منذ 1956 وإن كانوا ليسوا متفقين دوما على مضمونه:

ذكرى إعلان مجلة الأحوال الشخصية وما صاحبها من ثورة اجتماعية وفكرية متعلقة بحقوق المرأة وبمنزلتها في المجتمع ..

دخل قيس سعيد إلى هذا المجال من زاوية قضية المساواة في الميراث قائلا بأنها قضية مفتعلة وأنها تنتمي للمساواة الشكلية البورجوازية وأن الشعب لم يثر من أجل المساواة بل من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية .ثم سعى لتأطير هذا النقاش بالعودة إلى الفصلين الأول والحادي والعشرين من الدستور ليقول لنا بأن الدولة لا دين لها ولكنها مطالبة باحترام دين «الأمة» وأن المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين والمواطنات تقف عند عتبة الفضاء الخاص حيث يوجد فقط زوج وزوجة وأولياء وأبناء وأخ وأخت هذا بالإضافة إلى أننا إزاء نص قرآني صريح (قطعي الدلالة وقطعي الورود كما يقول الأصوليون) وأن نظام المواريث الإسلامي لا يتأسس على المساواة الشكلية بل على العدالة الفعلية.

نحن أمام أوضح خطاب لرئيس الدولة حول هذه القضايا الفكرية الأساسية ، وهو خطاب يتأسس على نقد الحداثة صاحبة مبدإ المساواة وينتصر للعالم القديم المؤسس على مبدإ العدالة وكل ذلك مع السعي للاستفادة من النقد الماركسي للحريات الشكلية واعتبار أن العدالة هي قيمة القيم لا المساواة المشبوهة والتي تسعى لفرضها دوائر هيمنية معروفة.
هذا التصور ليس خاصا بقيس سعيد ولا حتى بالفكر العربي المحافظ ، هذا هو التصور الذي دافع عنه كل معارضي الحداثة وفلسفة الأنوار وحقوق الإنسان في كل أصقاع الدنيا بدءا من العالم الغربي ذاته.

لننطلق من هذه الأسس الفلسفية ولنترك إلى حين أهلية وجدية تأويل رئيس الجمهورية للنص القرآني وهو رمز الدولة التي لا دين لها وفق تعبيره الخاص.

لقد تأسس العالم القديم بكل ثقافاته وحضاراته ودياناته على التمييز الأصلي بين البشر بما في ذلك الحضارة الإسلامية ، وكان التمييز يقوم على عنصرين أساسيين : ما هو ثابت بإطلاق كاللون والجنس والسن وثقافي اجتماعي له ديمومة نابعة من الموقع في الحياة كالدين والطبقة الاجتماعية، ولكل صنف من البشر حقوق وواجبات وفق موقعه الطبيعي في سلم المجتمع وهي حقوق وواجبات فئوية لا كونية وتكمن العدالة في العالم القديم في احترام هذه التمييزات الأصلية وألا يتجاوز الفرد هذه المحددات الجماعية الكبرى .

الحداثة الغربية كانت أول من وضع على محك السؤال هذه التمييزات بين البشر رفضنا هذا أم قبلناه . وأساس النقد الحديث هو انه لا وجود لتمييز ماهوي بين البشر بل أن كل التمييزات طارئة والأصل أن البشر ، كل البشر متساوون بالطبيعة ولهم حقوق طبيعية تتأسس على هذه المساواة الأصلية المتجاوزة لكل التحديدات الاجتماعية والجماعية والدينية اللاحقة .

المساواة في هذه الثورة الفكرية العظيمة ليست ترفا «بورجوازيا» آو تقليعة لحداثويات منقطعات عن «تونس الأعماق»، هذه المساواة هي بين الحر والعبد والغني والفقير والشريف والوضيع والرجل والمرأة، إنها ثورة البشرية العظمى ضد كل النظم التمييزية وهي ثورة لصالح الضعفاء والمهشمين والمقموعين بداية على عكس ما يروج له أنصار «العدالة».

إن مضادة المساواة بالعدالة هو حنين لنظام الامتيازات مهما كان التسويق «الثوري» لذلك ومهما كانت التبريرات والاستنجاد بالمهشمين والمهمشات الذين لم يثوروا من اجل المساواة بل فقط من اجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية !!

ما معنى الحرية والكرامة ؟ فهل يمكن مثلا أن نتصور كرامة لأناس غير متساوين؟ وهل يمكن أن نتصور حرية لأشخاص لا يطمحون لنفس الحقوق؟ أليست المطالبة بالكرامة تعبيرا عن شعور الهوامش بالضيم و«الحقرة» ؟ ألا يعني أن مطلب المساواة هو الجوهري في كل هذه المطالب؟

عندما تم نقد المساواة القانونية (الشكلية في عبارة رئيس الدولة) لم يكن ذلك للتراجع عنها بل لإعطائها مضمونا ملموسا في الواقع: مساواة في التعليم وفي فرص التكوين والشغل والانتصاب للحساب الخاص ومحاربة تحول الفروق الطبيعية في الجهد والاجتهاد إلى نظام امتيازات متوارث جديد..هذا هو لبّ المساواة وهذه هي ثورة المساواة ضد كل الأفكار التقليدية التمييزية بين البشر.

أما قول رئيس الدولة بأن المساواة المتضمنة في الفصل 21 من الدستور بين المواطنين والمواطنات لا تنطبق في الفضاء الخاص فهو قول غريب لأننا قياسا على قوله يمكن أن نزعم أن فضاء العمل فيه أجراء ومؤجرون والفضاء المدرسي فيه مربون ومربيات والفضاءالجامعي طلبة ذكور وطالبات.. المواطنة لا تقف عند باب المنزل أو المصنع أو المدرسة لأن القانون عام ويطبق على الجميع ويحمي حقوق الابن حين يتجاوزها والده وحقوق الزوجة حين يعتدي عليها زوجها أو العكس وكذلك حقوق الأخت .. فكلنا في الديمقراطية مواطنات ومواطنون ولسنا رعايا لأحد لا في الفضاء العام بأصنافه ولا كذلك في الفضاء الخاص ..

صحيح أن الفضاء الحميمي لا يتأسس على علاقة قانونية بل على علاقة عاطفية، ولكن القانون يجرم ويعاقب كل علاقة عاطفية تعتدي على حقوق الفرد، فالحب والعطف والحنان لا تدخل تحت طائلة القانون ولكن العنف أو الحقوق المادية والميراث من بينها – فيدخل تحت طائلة القانون .
لو كان كلام رئيس الجمهورية صحيحا لما جاز لأحد أن يتظلم من حرمانه من الميراث ولما كانت هنالك مجلة قانونية تنظم الحياة العائلية من الزواج إلى الطلاق إلى تربية الأطفال إلى الميراث ..

في الديمقراطية القانون لا يدخل في العواطف، ولكن الميراث لا يندرج في باب العواطف بل في باب الحقوق والتي يرتب القانون على خرقها عقوبات تصل إلى حدّ السجن .

أما تأويل قيس سعيد للنص القرآني فهو الأضعف في كل حججه بداية لأنه كرمز للدولة (والدولة لا دين لها كما يقول الرئيس ذاته) ما كان له أن يدخل في باب تأويل النص الديني أو إعطاء قراءته له فذلك مجال المثقفين والمفكرين والمهتمين بالشأن الديني والحضاري .. ثم عن أي وضوح يتحدث رئيس الجمهورية ؟ هل هو وضوح الآية «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين؟» فإن كانت هذه الآية واضحة بما يمنع الاجتهاد فيها فما قوله في آية «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا»؟ ما هي الآية الأكثر وضوحا؟ فالأولى فيها توصية والثانية فيها أمر فلِمَ لا يقول رئيس الدولة بأن المجلة الجزائية التونسية مخالفة لكل آيات الحدود والعقوبات البدنية كحد السرقة والزنا وشهادة الزور والحرابة وغيرها لِمَ حضر «الوضوح» في آيات المواريث وغاب في آيات الحدود ؟ والحال أن آيات الحدود أوضح بكثير من آيات المواريث !

بالإمكان أن نتحمس للعاملات في الفلاحة أو للشباب المهمش وأن نصرخ في وجه الظلم والفساد ولكن عندما نشرّع للتمييز في مجال ما فلا ينبغي أن نستغرب من اتساع مجال التمييز، فالعدالة المطلوبة هي تلك التي تتأسس على المساواة وتوسع من مجالات تطبيقها أما تلك التي تريد العودة بنا إلى نظام الامتيازات القديم فهي لن تؤسس للكرامة ولا للحرية ولا حتى للعدالة ..
من المفارقات العجيبة في بلادنا أن يكون بعض من ينتسب لثورة الكرامة ضد المساواة بين البشر ! أم أنها العقدة الأزلية للفكر الذكوري أمام انبجاس المرأة كشريك مساو له ومهدد لهيمنته التاريخية ؟ !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا