لعنـــة الشعبويــات

يحيل مفهوم الشعبوية غربا على ثمانينات القرن التاسع عشر، فقد وظفت تلك اللفظة في الأصل بغرض إدانة الممارسات الديماغوجية والانتهازية

للمعارضة السياسية، غير أن تقدم البحوث العاملة على تفكيك تلك الظاهرة هو ما ساهم حاضرا في توسيع المجال المعجمي لتلك اللفظة من خلال الاغضاء عن ذكر الفئات الشعبية ضمن الخطاب السياسي للأحزاب، والتركيز في المقابل على ما يتسم به سلوك الأوساط الاجتماعية الشعبية وخاصة المحسوبة من بينها على تيارات اليمين المتطرّف من رعونة مغالية في تقديس الشعب وتضخيم مجمل التمثلات التي تحيل عليه.
ومهما يكن من أمر مختلف التطورات التاريخية التي تحيل على تعريف الشعبوية فإنه يستحيل أن يحصل اعتراف الأفراد كما المجموعات المنظّمة سياسيا بالصدور عن مثل هذا الفكر التبسيطي المتسم بالغلو، بل غالبا ما يتم نسب ذلك استنقاصا للمنافسين أو الأعداء السياسيين الذين يعمدون إلى تقسيم المجتمع إلى فريقين متناحرين، يحمل كل واحد منهما تجانسه الخاص: «الشعب الموسوم بالنقاء الخالص» من ناحية، في مقابل «النخبة المجبولة على الفاسد»، العاملة على إلغاء كل دور لإرادة الشعب ضمن الممارسة السياسية. تلك هي القاعدة التي ينتظم وفقا لقوانينها انزلاق الاغلبية في التشهير بنُخبها المثقفة وملاحقة أقلياتها العرقية والدينية والسياسية، والاندفاع بتلك الصورة من دون واعي منها بالضرورة نحو السقوط فيما قد تستقيم تسميته بلعنة الشعبويات.
يجزم كل متابع للفضاء العمومي التونسي حاضرا توفره على جملة من الأطر المتخيلة تحيل على أولئك الذين فازوا بانتخابات 2011 و2019 رافعين شعار الهوية الإسلامية الذي تندمج ضمنه فكرة الأمة ضمن فكرة الوطن ولا يمكن أن نتعقل ضمنه مسألة خدمة الصالح العام خارج التصورات الاعتبارية التي تحيل على أولوية الاحتكام إلى مقومات الفكر العربي الإسلامي، لذلك فإن حضور هذا المتخيل الجمعي ضمن آليات اشتغال الأحزاب السياسية المدنية على غرار حركة النهضة وائتلاف الكرامة تونسيا يعبّر عن نفسه من خلال ادعاء الصدور بشكل اقصائي عن شرعية ثورية متوهّمة، اتصلت في حق «شعب النهضة» بمساهمتهم الفعالة في تحرير دستور 2014، بينما شكّلها في حق حلفائهم الانتماء لـ «روابط حماية الثورة» أو معاضدة أنشطتهم المنفلتة.
والبين أن الأخطاء المتعددة التي وقع فيها هؤلاء والتي كشفت عن قلة نجابتهم في ممارسة السلطة وتصريف الشأن العام لم تدفعهم إلى الاتعاظ وتغيير المسار، حتى وإن ثبت لديهم وباعتبار جميعهم مناصرين للإسلام التركي بأن الطريق لم تكن سالكة أمامهم حتى يحققوا حلمهم في فرض تصوراتهم اليمنية المحافظة على مختلف شرائح المجتمع التونسي. والأكيد بعد هذا أن ما يحصل في تونس غير منفصل بالمرة عمّا يجري في العالم. فقد ثبت بالتقصي الميداني أن التحركات الاجتماعية التي عاينتها البلاد منذ قرابة العشرية قد احتكمت إلى آليات متشابهة سواء في ما يحيل على مخزونها الاحتجاجي أو في كيفية مجابهتها من قبل الدوائر الأمنية سواء تم ذلك بالبلدان العربية أو عاينته دول أخرى على غرار ما شهدته الولايات المتحدة في غضون ربيع 2020.
ما ينبغي الاحتفاظ به قبل سواه أن ما قد تستقيم تسميته بـ «متخيل الاحتجاج» الذي سيدفع حال اندلاع شرارته الأولى إلى حصول قطيعة غير منتظرة في مسار طويل، لا يمكن لأي طرف ادعاء فكّ شفرته مسبقا. فقد مكنت هذه الهزات القوية التي عرفها العالم من قلب مسار التعبير عن السخط كونيا، كما أثبت من جانب آخر أن ردود الفعل الأمنية ذات الطابع التقليدي لم يعد بوسعها وخارج إطار التفاوض التعاقدي الخروج بأي طائل حيال مثل تلك الطفرات، حتى وإن توصلت الشرعية القائمة إلى الحد من ضراوتها وقتيا.
لذلك ليس بعيدا في اعتقادنا أن تشكل مرحلة الانتقال التي نعيشها حاضرا ارتدادات متصلة بهبّة 2011 فتعدّد المحطات الانتخابية (2011 و2014 و2019) لم يفض إلى تجاوز الطابع الانتقالي برسم أفق حقيقي لزمن الدخول في الاستقرار السياسي والتداول السلمي على السلطة. فقد عاينت البلاد تعاقبا للحكومات الحزبية والتكنوقراطية مع تحول سريع في الأغلبية البرلمانية نتج عما نُعت تونسيا بـ «السياحة الحزبية»، مما يبعث على التساؤل بخصوص حقيقة التحولات التي طالت الحياة السياسية تونسيا. بحيث بدت الديمقراطية التشاركية وبعد عشرية كاملة من الأزمة العميقة والانتشار المفاجئ للجائحة الوبائية، غير قادرة على تدبير الصالح العام. ويجد المدافعين عنها صعوبة جمة في مجابهة المطبّات الناجمة عن تسارع نسق العولمة وكارثية إعادة تركيز المؤسسات الصناعية العابرة للأوطان وتضخم مكانة مجموعات الضغط والنفوذ التي لم تعد تجد أدنى صعوبة في فرض أشكال تعاملها على صانعي القرار السياسي وطنيا، فضلا عن سعيها الدؤوب إلى توريط مؤسسات الدولة في شرك مخططتها.
وعموما يبدو العالم على وشك رسم خريطة جديدة للنفوذ يحكمها فاعلون جيو استراتيجيين جدد، لكأن إمبراطورية العالم الحر تعيش أخر ردود فعلها مُشرعة الباب أمام السياسة الهجومية لإمبراطورية الوسط القديمة بممارساتها العلنية المتسلّطة وتكتيكاتها الرقمية الكارثية التي وظفت الثورة الاتصالية قصد مزيد الهيمنة على الأفراد بعد سلبهم من كل حرية حقيقية. فالاتصال الشبكي للعالم لا يضع في اعتباره راهنا مجابهة الصعوبات الناجمة عن سرعة نسق التحديث بل يبدو غير معني تماما بالسعي بشكل واضح لبناء مستقبل متضامن للإنسانية جمعاء.
وليس بعيدا أن يكون هذا الانتقال هو المتسبب الرئيسي في تقلّص منسوب ثقة الناخبين في مختلف آليات الديمقراطية التشاركية وقدرة الفاعلين السياسيين أيا كانت توجهاتهم الفكرية على مجابهة تشعّب المشاكل التي تنطوي عليها الحياة اليومية للناس. لذلك فضل هؤلاء الانسحاب من الساحة السياسية فتمّ استبدالهم تدريجيا وباعتبار قانون التسوية إلى أسفل من قبل ممثلي التيارات السياسية المنضوية تحت لواء الحركات ذات المرجعيات اليمنية، دينية كانت أو مدنية، والممارسات المنخرطة في الشعبوية المشهّرة بزعمها طبعا بخيانة النخب وجميع نوازع الحقد والكراهية، تلك التي عمقت بشكل غير مسبوق حقيقة الكسر الاجتماعي الذي نعيشه والذي أضحت حقيقته ماثلة كونيا ضمن الأعمال الروائية أو الابداعية التي تحيل مضامينها عن تعاظم أشكال الهلع وديستوبيا العوز، مع الشك في إعادة توازن ظروف الحياة فوق كوكب تم الافراط في استغلاله وتدمير مقدراته بشكل كارثي.
وهكذا فإن السؤال الذي ينبغي علينا الإجابة عنه هو -البت- في ما مدى قدرة المجتمعات الديمقراطية على مجابهة النتائج السلبية للأزمة؟ وحقيقة مرور مرحلة الانتقال تونسيا بظروف عويصة جدّ متقلبة، ليس للنجاح في انجاز الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتعاقب الحكومات أيضا أي قدرة على الحد من تبعاتها. فالبيّن أن انخرام التوازنات ضمن المشهد السياسي وانعدام استقراره بالكامل يدعوننا إلى مراجعة فصول الدستور والمجلة الانتخابية، وهو توجّه يبدو أن مختلف الأطراف غير مهيئة واقعيا للبتّ بشكل معلن في تفاصيله. فليس هناك في تونس ما يثبت بلوغ الفاعلين السياسيين درجة من النضج تأهّلهم بشكل غير قابل للنكوص إلى إنجاز نقلة في تدبير حقيقة تنوع الفضاء العمومي والكفّ عن إعادة انتاج صراعات المراحل التاريخية السابقة تلك التي تعطي انطباعا موهوما بقدرة العائدين من الزمن البنفسجي على مقاومة تغوّل «التنظيم الاخواني» في انتظار عودة الدرّ إلى مكمنه.
ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة حالة العطالة التامة التي يعيشها مجلس نواب الشعب، الذي لم ير رئيسه أي غضاضة في إعلان مساعفته التامة للسياسة التسلطية المتّبعة من قبل رجب طيب أردوغان زعيم الإسلاميين الأتراك، ومغالاته في الاعلاء من شأن ما وسمه بـ «الإسلام الديمقراطي» باعتباره الوريث الأمثل لعصر التوسع أو الانتشار الإسلامي، والحال أن انزلاق النظام التركي في دواعي التسلط غير منفصل في تقديرنا عن الانتشار غير المسبوق للتصوّرات الشعبوية كونيا.
بحيث لا يعترينا أدنى شكّ في حضور توازي مربك بين ما هو بصدد التشكّل ضمن الفضاء العمومي للبلدين، حتى وإن ساهم تشعّب السياقات تونسيا في إكساب الواقع المحلي حققته الخاصة. فقد سبق للبحوث أن بيّنت حضور تلازم بين المسارين، مع اختزاله في جملة من العناصر التي تحيل تحديدا على تشكيل تيار رافد للغضب الشعبي يدعي تمثيل جميع من طالهم الاقصاء («حركة شعب المواطنين» و»حركة الشعب يريد» و»ائتلاف الكرامة»...)، وتأثيم التفكير الحرّ، مع التعبير عن الآراء بشكل فوقي متسلط باعتبارها الصدى الأمثل لإرادة الشعب أو الروح الحقيقة المطلقة لديه، وبناء مواطنة مغشوشة يتهيأ للفرد ضمنها بأنه بطل يمسك بالحقيقة ويمثل أنموذجا للتونسي الثوري الوريث الشرعي لحركة الإصلاح، هذا بصرف النظر عن مناهضة العمل النقابي ورد مسؤولية أزمة الأوضاع بالبلاد أو «نكبتها» إلى نخبتها المتعالية على مطالب الشعب المشروعة.
وحتى وإن أثبتت السياقات حضور اختلافات بين الواقعين التركي المتمركز حول زعامة أردوغان، والتونسي الذي توزعت السلطة ضمنه بين أطراف متعدّدة يحيل معظمها على الإسلام السياسي والتيارات الشعبوية اليمينية، مع تعاظم ردود الفعل المتشنجة بين رئاسة الجمهورية ومجلس النواب الأمر الذي زاد في تعقيد دور الحكومة، تلك التي فشل رئيسها في إجهاض مختلف محاولات الدفع به قدما لكي يشكل الضلع المتبقي لهذا الثلاثي المبتور.
ويتمثل صدى هذه الوضعية في توجه رئاسة الجمهورية ومنذ انتخاب قيس سعيد إلى التأكيد على التمسك بإرادة الشعب والدفع باتجاه تحويل عدم رضاء الغاضبين نحو الأعداء السياسيين، وهو أسلوب ينم من جانبه عن دفع مُضمر باتجاه التسريع بحل مجلس نواب الشعب والمرور إلى استفتاء حول الإصلاح الدستوري وتحوير المجلة الانتخابية، لا تساويه موضوعيا سوى التصرفات العصابية المحمولة على النواب المؤتمنين على السلطة التشريعية. بحيث بقي قيس سعيد وفيا للاستراتيجية التي أعلن عنها منذ انتخابه في نهاية السنة الفارطة، وهي استراتيجية تتمحور نحو التعبئة السياسية حول «سيادة الشعب»، مما ينهض حجة على تعريف السيادة لديه بوصفها التعبير الأمثل عن الواقفين في صفّ الخير في مقابل من جاهروهم بالعداء، دغدغة للمشاعر وتغدية السخط وتحريكا للغضب وتحكّما في الجماهير.
وهكذا فإن الحقيقة الواحدة القابلة للتحليل تونسيا، هي تواصل التحوّلات في شكل حلقات متضامنة لا تخلو من امتدادات إقليمية وكونية، وهي تحوّلات قد تحتاج إلى عشريات مديدة من الزمن، بحيث يستقيم واعتبارا لسرعة انقضاء القرن الماضي أن نعتبر ما حصل ببلادنا حدثا سابقا لما سيعرفه الإقليم في عضون السنوات اللاحقة، وذلك ضمن سياق كوني مشوب بكثير من الانعزالية ونوازع المحافظة وتلبد الأفاق وتأجج المخاوف الدافعة نحو التطبيع مع العنف وتحريك الصراعات الإقليمية التي تلقي بضلالها العكرة على واقع الأزمة السياسية تونسيا وعربيا.

بقلم لطفي عيسى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا