في مقاومة نظام الامتيازات

من المفيد ،أحيانا، أن نضع القضايا الكبرى في  سياقاتها التاريخية والفلسفية ..ضد ماذا قامت الثورة البورجوازية ؟ (أو الديمقراطية او الليبرالية وهي كلها تسميات مختلفة لظواهر متقاربة) لقد قامت ضد نظام الامتيازات الإقطاعي

حيث تكون الامتيازات مرتبطة قانونا بأصل الولادة..فالناس قبل الثورة الفرنسية وقيمها الكبرى لم يكونوا متساوين في أية حضارة من الحضارات بما في ذلك الحضارة الإسلامية التي عرفت بعض قيم المساواة ولكن ظل التمييز الأصلي هو الأساسي وفق محددات ثلاثة : المسلم وغير المسلم (كتابي أو محارب) والرجل والمرأة والحرّ والعبد..
مع فلاسفة الأنوار – ومعهم فقط – أصبح بالإمكان أن نفكر في المساواة المطلقة بين البشر باعتبارهم بشرا وذلك بغض النظر عن كل الفوارق الأصلية (الجنس واللون) أو الطارئة (الدين والوضع الاجتماعي) واختلق فلاسفة الأنوار كذلك حالة خيالية سموها حالة الطبيعة (أي ما قبل قيام الدولة) حيث يتساوى فيها كل الأفراد ولهم في مقاومة نظام الامتيازات حقوق طبيعية متساوية من حيث كونهم أفراد ينتمون لجنس واحد : الجنس البشري.
من المهم أن نستحضر اليوم أن ثورة الحرية هي ثورة المساواة ضد التمييز .. ولكن الحرية بالطبع لا تنفي التمايز بين الأفراد وفق جهدهم وذكائهم وعملهم ويبقى الإشكال الأساسي في الفكر الديمقراطي منذ بدايته هو كيف نمنع تحول هذه التمايزات الطبيعية بين الأفراد إلى منظومات جديدة من الامتيازات لا تعتمد ولاشك على قوانين تمييزية كما كان الحال في الإقطاع وفي كل المجتمعات التقليدية ولكن على تمييز بالفعل ،تمييز يتوارث جيلا بعد آخر، تمييز قائم على الثروة والجاه والنفوذ بأشكاله المادية والمعنوية ..والإشكال الرئيسي في بلدان عدة أن النخب الفكرية والسياسية التي تؤمن بالحرية والمساواة وتريد مقاومة نظام الامتيازات الفعلي لا تدرك بما يكفي أنها بطبيعتها مندرجة في نظام الامتيازات وأن شبكات علاقاتها وقربها من مختلف أوساط القرار والنفوذ تجعل منها في منطقة رفاه معينة ولا تدرك أن مقاومة كل أشكال التمييز تستدعي بداية التفكير في منطقة الرفاه الخاصة والسعي إلى النظر لهذه المعضلة بتحرر أدنى من المحددات الطبيعية لوضعية كل فرد..
نعود الآن إلى بعض ما جرى في بلادنا خلال هذه الأسابيع الأخيرة في قضيتين أثارتا اهتمام الرأي العام وكانت لأولهما – استتباعات سياسية هامة بينما ما تزال الثانية في ارتداداتها الأولى: شبهة تضارب المصالح عند الياس الفخفاخ رئيس الحكومة المستقيل وحادث السيارة الإدارية الموضوعة تحت تصرف وزير الدولة النهضوي أنور معروف والتي قادتها ابنته دون موجب حق وتسببت في حادث مرور ثم كيف تم تزوير الوقائع وتغيير وثيقة الحادث الأصلية من أجل إخراج بنت الوزير من العملية .. وعندما كشف زميلنا محمد بوغلاب كل أطوار القضية منذ بدايتها تم تكذيبه بصفة رسمية وخرج الوزير في أكثر من وسيلة إعلامية ليردد التالي: هنالك من يختلقون القضايا لأنهم أدركوا أننا بدأنا في الإصلاح وفي مقاومة اللوبيات ،وهي نفس إستراتيجية الدفاع التي عمد إليها الياس الفخفاخ: لقد تم تضخيم جزئيات لكي تطيح قوى «الشر» بالحكومة من لوبيات ومهربين بعضهم داخل الحكم (حركة النهضة) وبعضهم خارجه( قلب تونس ).
الإشكال في هاتين الحالتين من تيارين فكريين وسياسيين مختلفين ومع افتراض حسن النية هو عدم إدراكهما بالمرة بأنهما مستفيدان على الأقصى من نظام الامتيازات الفعلي في هذه العملية ومن قبلها وأن ادعاءهما الإصلاح يبقى غريبا إلى حد ما لأن الإصلاح لم يطل مطلقا محيطهما الضيق بل اعتبرا – وغيرهما كثير – أن الامتيازات التي تمتعا بها بحكم قربهما من دوائر السلطة والقرار والنفوذ المالي أيضا هي مسائل طبيعية أما عندما تكون عند خصومهما فتتحول حينها إلى فساد ولوبيات وضرب لكل نفس إصلاحي ..
يقول الأستاذ والصديق احمد صواب أن الأهم في الانتقال الديمقراطي لا يكمن في المؤسسات - لأنها مازالت هشة – بل في الأفراد ، أي في الوعي الفردي القادر فعلا على إحداث التغييرات المرجوة والقادر بحكم القدوة والجدية والتناسق الداخلي أن يقدم بقضية مكافحة الفساد بكل أصنافه وأن يقنع بدعوته للإصلاح لان هنالك التناغم الادنى بين القول والفعل .
ما لم يفهمه الكثيرون – ربما عن حسن نية – أن التونسيين لم يثوروا على نظام الامتيازات زمن حكم بن علي ليعوض بنظام امتيازات لـ«الثوار» الجدد.. وفي نظام الامتيازات العبرة بالمنظومة لا بحجم الامتيازات ،ونعود من جديد لنقول بأن قيمة المساواة كركن أساسي للحرية لا تعني أن يتقاضى الجميع نفس الأجر أو أن تمنع المجتهد والمبتكر من إثراء مشروع المطلوب فقط، هي أن يكون التمايز مبينا على الجهد والجدارة وألا يتحول إلى امتيازات خارج القانون مرتبطة بالوظيفة أو بالوضعية الاجتماعية أو بالقيمة الاعتبارية .
يكفي أن ننظر قليلا إلى تجارب أمم أوروبا الشمالية لندرك أن التخلص من نظام الامتيازات أمر ممكن وهو لا يعني دكتاتورية الدولة او البروليتاريا بل فقط الحوكمة الرشيدة ونزاهة الحاكمين وعلوية القانون وانخراط الجميع في هذا الأفق ..
إن تحقيق أهداف الثورة لا يعني سوى القضاء التدريجي على كل منظومة الامتيازات وفق قواعد ديمقراطية افقها المساواة ودعامتها الحرية ، وما سوى ذلك فهراء لا معنى له سوى التغطية على وضعيات لا يمكن القبول بها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا