بعد تحذير «المتآمرين» والتلويح باستعمال الفصل 80: ماذا يُعدُّ رئيس الجمهورية ؟

ما فتئ رئيس الدولة خلال هذه الأسابيع يحذر ممّن يسميهم بالمتآمرين إلى أن وصفهم ليلة أول أمس بالعملاء والذين يناورون ويتآمرون

مع قوى داخلية وخارجية وهو مع حرصه على التعميم يشير دوما انه يقصد أوساطا سياسية بعينها ولكن دون الإشارة إليها بالوضوح الكافي وأحيانا يفهم من كلامه طرف معين كالدستوري الحر في علاقة بتعطيل أشغال مجلس نواب الشعب أي أحد أهم دواليب الدولة وتارة أخرى تكون التلميحات متجهة للأطراف الوازنة في المشهد السياسي وخاصة حركة النهضة ..
يوم أمس هنالك تقدم إضافي إذ أشار رئيس الدولة عند استقباله للسيد غازي الشواشي وزير أملاك الدولة إلى حادث مرور سيارة إدارية وتغيير محضر الحادث ثم فقدانه من المحكمة وأنه لن يسمح بالتلاعب بالمال العام والإشارة واضحة إلى الوزير النهضوي المقال أنور معروف وسيارة Q5 الشهيرة التي كانت تمتطيها ابنته على الأرجح ولكن تم تغيير صفة المتسبب في الحادث الذي أصبح سائق الوزير ..ورأينا كيف أن «التضامن» الحكومي آنذاك قد هون كثيرا مما حصل حتى كاد ينسى..

تذكير رئيس الجولة بهذا الحادث وبالتحايل على القانون الذي يصاحبه حسب توصيفه العام وبشخصية المعني بالأمر يفيد أن السهام الرئاسية (في انتظار الصواريخ) قد توجهت الآن إلى حركة النهضة وبعض قياداتها لا لصفتهم هذه بل لمخالفتهم للقانون ومحاولتهم التهرب من المسؤولية ..
هل يمكن أن نربط بين هذه الحادثة التي تبقى فردية مهما كانت ضخامة ما ارتكب والإشارة العامة إلى «المتآمرين» ؟ هل نحن أمام تعميم حالة فردية أم إزاء مسألتين منفصلتين ؟

سياق الأحداث يوحي بأن هنالك خيطا رابطا بين متآمرين فجر يوم الأربعاء والمخلّين بالمال العام في صباح نفس اليوم ..ولكن ما هي طبيعة هذا «التآمر» وهل يملك الرئيس الأدلة القاطعة عليه ؟

هنا لا وجود ولو لبوادر معلومات أو معطيات يمكن الاستناد إليها .. ما نعلمه فقط هو تأكيد رئيس الجمهورية أن هنالك من يريد تفجير الدولة من الداخل والانقلاب على الشرعية إلى حد شبهة التخابر مع الأجنبي وأن رئيس الدولة قد يستعمل «الصواريخ» الدستورية ليوقف هذا التلاعب بل التآمر على امن الدولة .

الواضح اليوم أن رئيس الدولة سيلجأ قريبا جدا إلى الفصل 80 والذي يعطي لرئيس الجمهورية صلاحيات واسعة جدا خلال شهر إذا ما اعتبر أن هنالك «خطرا داهما مهددا لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة ، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية» أي انه بإمكان رئيس الدولة أن يتخذ كل الإجراءات التي يراها مناسبة من اقلها شانا إلى أعلاها وأخطرها .

وهو يجمّع من جديد خلال هذه الفترة الاستثنائية كل السلطات التنفيذية والتشريعية وهو وإن لا يلغي عمل المؤسسات الدستورية الأخرى (حكومة وبرلمان وقضاء...) إلا انه بإمكانه تجاوزها جميعا (باستثناء القضاء) بواسطة المراسيم (دون المرور على البرلمان) أو القرارات الإدارية (دون المرور على الحكومة) والغاية من هذه الفترة الاستثنائية هي إعادة الأمور إلى سالف وضعيتها ..

ولكن لو كنا نتحدث عن «مؤامرة» تنبع من دوائر سياسية نافذة فلا اقل من كشف خيوطها وإيقاف أصحابها وعرضهم على القضاء ..والسؤال المفصلي هنا هو هل أن تفكيك مؤامرة أو انقلاب يستدعي إعلان حالة استثنائية ؟ أم أن دواليب الدولة العادية أمنيا وعسكريا قادرة على إحباط هذه المؤامرات وإيقاف أصحابها ؟
أم أن «المتآمرين» قد اخترقوا أجهزة الدولة بدرجة أصبح كشفهم وضبطهم مسالة مستحيلة بالاعتماد على السير الحالي لدواليب الدولة ؟ وهنا سنرى إيقافات واعتقالات لا فقط في صفوف المتآمرين بل وأيضا في كل حلقات الإسناد والحماية داخل أجهزة الدولة ذاتها ؟

لو أردنا سبر أغوار القول الرئاسي فسنكون في حالة رعب قصوى لأننا لا ندري بداية، حجم وطبيعة هذه «المؤامرة» وعدد المتورطين فيها من كبار مسؤولي الدولة وبعض الاحزاب السياسية ..

قد يعلن رئيس الدولة لجوءه للفصل 80 خلال هذه الأيام القليلة القادمة وقد يتداخل هذا الإعلان مع تكليف الشخصية الأقدر لتشكيل الحكومة القادمة ، وقد يعطي الرئيس الأولوية للفصل 80 على 89 أي أن حالتنا اليوم هي حالة استثنائية تستوجب إجراءات استثنائية وقد يكون من بينها اختيار رئيس الحكومة القادمة من خارج دائرة اقتراح كل الأحزاب ، مما يلغي كل أثر لهذه الاستشارة الكتابية التي عمد إليها قيس سعيد ..

ومباشرة مع إعلان رئيس الدولة اعتماده الفصل 80 من الدستور ستدخل البلاد حتما ولمدة شهر على الأقل في مرحلة استثنائية وسوف نرى هل ستكشف فيها هذه «المؤامرات» أم لا أم أن لرئيس الدولة برنامج آخر وهو تمرير جملة من المراسيم المتعلقة بتشريعات عزيزة على قلبه كتنقيح النظام الانتخابي أو غيره مثلا ..
ولكن في هذه الحالة سنكون أمام ما يشبه التلاعب بالدستور لأن النظام الانتخابي أو المسائل الاجتماعية والاقتصادية لا تدخل البتة في خانة الخطر الداهم ..وحدها المسائل الأمنية المهددة لكيان الوطن أو أمنه أو استقلاله هي التي تدخل بوضوح في خانة الفصل 80.

والأخطر من كل هذا لو يتم استعمال اللجوء إلى الفصل 80 للتضييق من الحريات ..

إن استعمال «الصواريخ» ليست عملية هيئة إذ ينبغي أن تكون لها أهداف واضحة ومقنعة (مؤامرة فعلية ومحاولة انقلابية جدية قد تم بداية الإعداد لها بجمع السلاح وتكوين وفاق إجرامي وغيره ) أمّا لو غابت الأهداف أو اختفت في وسط الطريق فقد ترتد الصواريخ إلى حيث لا نعلم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا