في محاولة ثانية لإنقاذ النظام: مصاعب رئيس الجمهورية

في مدة لم تتجاوز 7 أشهر يوجه رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيد رسائل ثانية إلى رؤساء الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لمطالبتهم بمده بمقترحاتهم

بخصوص أسماء المرشحين لرئاسة الحكومة وذلك طبقا لما ينص عليه الفصل 89 من الدستور، مع تحديد أجل أقصاه يوم الخميس 23 جويلية 2020 لقبول المقترحات.

الإختلاف الوحيد بين هذه الرسائل والرسائل الّتي سبق توجيهها في الأسبوع الأول من شهر جانفي 2020 و الّتي تمخضت عن تكليف إلياس الفخفاخ برئاسة الحكومة، هو عدم مطالبة المرسل إليهم ببيان معايير اختياراتهم، و لعل في ذلك حصول قناعة بعدم جدوى ذلك في ظل ثبوت إنصراف المعنيين بتقديم المقترحات عن معايير الكفاءة وإكتفائهم بما يرونه متماشيا مع توجهاتهم السياسية العامّة.

إذن طويت صفحة الفخفاخ في ما يتعلّق بنهاية مهامه على رأس الحكومة و لكن بقيت صفحة شبهة تضارب المصالح مفتوحة بعد أن أصدرت الهيئة العامة للرقابة تقريرها الأولي حول معاملات رئيس الحكومة المستقيل مع الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات و الّذي إنتهت فيه إلى رفع جملة من الإخلالات والتجاوزات.

هذه الشبهة هي أيضا محل نظر القطب القضائي المالي الّذي باشر أعماله الإستقرائية بخصوصها، انطلاقا من سماع الشاكي نائب البرلمان ياسين العياري، وهي كذلك محل نظر ما سميت بلجنة التحقيق البرلمانية التي تتكون من 6 أعضاء عن حركة النهضة و4 أعضاء عن حزب قلب تونس وعضوين اثنين عن ائتلاف الكرامة و5 أعضاء عن الكتلة الديمقراطية وعضو عن تحيا تونس وعضو عن الكتلة الوطنية وعضوين عن كتلة الإصلاح الوطني وعضو عن كتلة المستقبل.(راجع / جريدة المغرب أمس السبت 18 /7 /2020).

بالتوازي مع هذه الإجراءات الّتي سيقل الإهتمام بها مؤقتا ، شرع رئيس الجمهورية قيس سعيد في إجراء مشاورات بخصوص اختيار الشخصية الأقدر من أجل تكليفها بتكوين الحكومة بعد أن وجه مساء الخميس 16 جويلية 2020 الرسائل المشار إليها ليتسنى للأحزاب و الإئتلافات والكتل النيابية خلال أسبوع ، التشاور حول مقترحاتها بأسماء الشخصية أو الشخصيات التي ترشحها لرئاسة الحكومة.

هذا التشاور سيجري في مناخ برلماني أقل ما يقال فيه أنه سيء للغاية ، يجد فيه رئيس البرلمان نفسه محل مطالبة بسحب الثقة منه و مطالبته بالتنحي عن رئاسة البرلمان من طرف معارضيه من كتل مختلفة.
كما تجري المشاورات في مناخ إجتماعي متوتر ألقت فيه الإحتجاجات في قفصة وتطاوين بظلالها بسبب تعطيل الإنتاج في الفسفاط وفي الطاقة، الأمر الّذي زاد الوضع الإقتصادي والمالي تدهورا ينبئ بأزمة لم يسبق لها مثيل في تونس .

هذه المعطيات المتعلقة بالبرلمان و بما تشهده قفصة وتطاوين ستجعل المشاورات حول «الشخصية الأقدر» صعبة على رئيس الجمهورية الموكول له التعيين، في محاولة ثانية ستكون حتما خاضعة لمصادقة مجلس نواب الشعب، و«مخيفة» و«ثقيلة» على الشخصية الّتي سيقع تعيينها بحكم أن رئيس الحكومة المقبل سيكون أمام هامش تصرف محفوف بالمخاطر من مختلف الأوجه. فهذا الكرسي أصبح سريع «الإنفلات و الإنقلاب» ولم يعد مأمونا أو محبذا من الكفاءات المتوفرة.

لذلك قد يكون من الأسلم التسريع بحل الإشكال داخل البرلمان الّذي أصبح يزعج أكثر من طرف - بما في ذلك حزب حركة النهضة - وأصبح مصدر الأزمة، و لعل تخلي الغنوشي بإرادته عن رئاسة المجلس قد يساهم في وضع حد للتوتر و لهذه المعارك المتواترة، بدل تواصل سياسة «لي الذراع» (Bras de fer) و القفزات الانتحارية الّتي نتابعها.

هذه العقبات السياسية و الإقتصادية ستضع -إذن- ، رئيس الجمهورية أمام عقبات كبيرة و مناورات مختلفة ، خاصة إذا واصل نفس التمشي القانوني الصرف ، و لم يتوخّ المرونة في المشاورات الّتي يخوّلها له الدستور ، بحيث لن يجد نفسه في هذه الحالة خارج الإطار الدستوري الّذي يحبّذه و يريد التحرك في نطاقه . هذه المرونة قد تتيح له وضع الفرقاء وجها لوجه ، مما يمكّن من حسم الأمر بالإقناع بما يتماشى و مصلحة البلاد في هذه الفترة الصعبة و المرشحة إلى مزيد التأزم . نقول هذا طبعا إذا لم تكن هناك نوايا من هذا الطرف أو ذاك ، للحسم عبر إنتخابات تشريعية سابقة لأوانها بعد حل البرلمان، وهي فرضية تبقى قائمة في كل الأحوال و محط مخاوف كل التشكيلات السياسية لصعوبة التوقع بمجرياتها ومخرجاتها.

لا يمكننا الحديث عن تقييم الحكومة السابقة لقصر عمرها و لعدم تمكنها من إبراز «مواهبها» ، و لكن يمكننا القول أن الشخصية الأقدر المنتظرة إذا تسنى ذلك ، ليست الشخصية القادرة على تهدئة الخواطر و على تقديم مسكنات ظرفية بلباقة خطابية أو بمراوغات سياسية . و ليست شخصية غير مُسيّسة و غير عارفة بشؤون السياسة أو مستقلّة بمفهوم عدم الإنتماء بلا كفاءة مشهود بها.

إن الشخصية المطلوبة هي الشخصية المتشبعة بالقيم الوطنية، المؤمنة بالذكاء التونسي وبقدراته، والممتلكة لنظرة إستشرافية والعارفة بمتطلبات المستقبل القريب والبعيد، والمتمكنة من الشؤون الإقتصادية والعارفة بمتطلبات المرحلة المقبلة لتجاوز الظروف الصعبة الّتي تعيشها تونس، و القادرة على حسن اختيار وقيادة فريق حكومي بإقتدار وحزم . أي شخصية تملك المعارف والتجربة والقدرة على حسن التسيير في نفس الوقت، لأن إمتلاك هذه الميزات ، هي التي تمكّن من إيجاد الحلول ومتابعة تنفيذ التصورات المُستنبطة.

لا يمكن أن نتوصل إلى هذا الإختيار ما لم تكف الأحزاب والكتل النيابية والإئتلافات ، عن تجاهل المعركة الإقتصادية الّتي يجب أن تقدم عليها تونس في السنوات المقبلة ، و ما لم تدفع نحو البحث عن سبل إنقاذ البلاد من التردّي، لذلك عليها أن ألا تعوّل على شخصية نكرة، ترضي الجميع ،دون أن تكون قادرة على إحداث نقلة نوعية في التفكير السياسي و الإقتصادي ، الّذي بدأ يتكلّس في السنوات التسع الأخيرة ، ووقف عاجزا عن الإصلاح والتغيير.

إن تونس ليس في حاجة إلى داهية قادرة على اللّعب و التلاعب و على الدس و الغش والتلون والبهتان كما سبق أن أكدنا على ذلك . إنها في حاجة إلى شخصية وطنية تحب البلاد بحق و تترجم حبّها بالعمل والمثابرة بصدق ونزاهة لإيجاد الحلول المناسبة لإخراج البلاد ممّا هي فيه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا