أمام تزايد الخصام في البرلمان: مهزلة سياسة الهروب إلى الأمام

سبق أن تساءلنا في 20 جانفي الماضي هل مجلس النواب «حَـلَبَة» أم مدرسة للممارسة الديمقراطية؟ وألمحنا إلى أن الأعذار الّتي يمكن بها تبرير

تدني لغة التخاطب والتواصل بين النواب بالقول بأن العمل النيابي جديد على النواب الجدد، الّذين يحتاجون إلى الدربة والتكوين والرسكلة للتعرف على الجوانب والضوابط القانونية الّتي تحكم مهامهم ، حتى لا يخطئوا، و حتى لا يبقى بعضهم متفرجين دون أن يكونوا فاعلين، وحتى لا تكون مواقفهم سلبية عند نشوب خلافات بمناسبة النقاش في مسألة عرضية أو اجرائية ، فيكتفون في النهاية بالصمت أو بالاصطفاف وراء هذا الطرف أو ذاك دون دراية بحقيقة الجدل و مخرجاته. ونبهنا إلى أن خطوط التماس بين المقبول وغير المقبول، وبين الحق في إبداء الرأي والتعبير، والتعسف في استعمال هذا الحق، تستدعي المعالجة السريعة للإشكاليات، ليكون مجلس نواب الشعب مدرسة للممارسة الديمقراطية وللأخلاق الرفيعة وفضاء للتدرب على ضبط النفس والأخذ بأبجديات السياسة والتعامل الحضاري والمؤسساتي في كنف احترام القانون.

هذا الكلام ذهب في مهب الريح بل تفاقم الأمر وإستفحل «المرض» وأخذ منحى فيروس «كورونا» في ضرب مناعة الرصانة والحنكة، إلى أن أصبحت إمكانيات العلاج بعيدة الإدراك، وتميزت الحياة البرلمانية والسياسية عموما بالهروب إلى الأمام.

هذا الهروب إلى الأمام أصبحنا نلمسه في المواقف الحدية و التعنت في المواقف السياسية ، سواء في نصح رئيس مجلس شورى حركة النهضة الفخفاخ بالإستقالة، أو في تهديد رئيس كتلة إئتلاف الكرامة بالإستقالة، أو تواتر اللوائح على البرلمان أو مواصلة رئيس بلدية الكرم ابتكار تطبيقات جديدة للقانون و خلق أمر واقع جديد يتماشى مع برنامج حركة النهضة الاستراتيجي.

لن نقدّم النصح للفخفاخ و المحيطين به، فهو أدرى بما له و بما عليه و سيكون مسؤولا عن أي فعل يجرمه القانون و لن نتحدّث عن مواقف الحزب الحر الدستوري لأنه في موقع مختلف عن موقع حزب النهضة وحلفائه ، فهو في موقع المعارضة الشاملة في ممارسة السلطة و في مجلس نواب الشعب . و هو موقع يختلف عن موقع النهضة وشركائها في الإئتلاف الحاكم أو في التكتل النيابى الّذي يجمعهم بنسب غير مستقرّة . هؤلاء يمارسون السلطة وأمناء على البلاد وعلى أمنها واقتصادها وبالتالي هم المسؤولون عن هذه المرحلة.

إن سياسة الهروب إلى الأمام الّتي اتضحت في الفترة الأخيرة لدى حركة النهضة وحلفائها، تنمّ عن تحول جديد يوحي بالتوجه نحو لعب ورقة -الكل في الكل - و لو أدى ذلك إلى إعادة الانتخابات التشريعية، في سعي لإستغلال الإرتباك الحاصل في صفوف خصوم النهضة وإمكانية ممارسة الضغط على قلب تونس وعلى الأطراف الّتي يمكن للنهضة مساومتها بملفات تحتفظ بها.

إن مجلس الشورى الّذي أصبح بعد إنتخابات 2019 مرجعا رئيسيا في قرارات حركة النهضة وقد عمدت هذه الاخيرة إلى جعله مرجعا لسياسة الدولة بأكملها، وترجمت ذلك عند تكليفها للحبيب الجملي بتشكيل الحكومة الاولى وإشتراط الإلتزام بخيارات مجلس الشورى، وكذلك إشتراط أن يكون مجلس الشورى المرجع الوحيد، كان خطوة حاسمة، لتمسك الحركة بمقود السياسة مسبقا وبصورة معلنة، وها هي تتوخى المفاوضة والمقايضة والتتشاور على أساس ما قرّرته، ليصبح من يشاركها مذعنا لها وليس شريكا لها.

لقد ذهبت حركة النهضة - كما سبق لنا التأكيد على ذلك - في هذا الاتجاه بعد أن توهمت وأوْهمت بأنها الحزب الأقوى في تونس استنادا للمركز الأول الّذي حازته في الانتخابات التشريعية بقطع النظر عن النسبة التي تحصلت عليها فعليا من مجموع الناخبين ودون مقارنة بسابقاتها.

ورغم فشل حركة النهضة في فرض قاعدة التفاوض والتشاور بفرض إرادة الأقوى في تصوّرها، رافعة راية التحدّي ، فإننا نلمس رجوعها إلى المغامرة باستعمال خطاب المستقوي . إذ لا نتصور أن النهضة تجهل تبعات إستقالة الفخفاح أو التوجه نحو إنتخابات سابقة لأوانها، أو مخاطر الفراغ الحكومي في ظل الازمة الحالية المرشحة إلى مزيد التفاقم.
فهل أن ذلك يهدف إلى الترفيع في سقف المساومة لفرض ما تريد؟ أم هل أنها حسمت أمرها على المغامرة معوّلة على لعب ورقة أخيرة للتكمن؟

يبدو أن حزبا مسكونا بالخيلاء ويعوّل على مفعول الترهيب في النفوس ولا يضع في حسابه التنازل عن أي شيء .لذلك يواصل التحدّي رغم أنه سبق له أن وقف على أن هذا الخطاب لا يؤدي بالضرورة إلى ترهيب الأطراف المؤثرة على نسيج الأغلبية البرلمانية ، أو الرأي العام، ويتجاهل أنه لا يملك أغلبية صلبة ، كما يتجاهل أن الأغلبية الصامتة سبق أن خسرها ، و أن الأغلبية الّتي يمتلك رئيس الجمهورية مخزونها و هي أغلبية فاعلة ليست في صفه ، و هي أيضا اغلبية مستقرة رغم الإنتقادات الموجهة للأستاذ قيس سعيد، بل يمكن القول أنها أغلبية مرشحة للتوسع على خلفية الفكرة القائلة بأنه من حق الناخب أن يسحب ثقته ممن إنتخبه إذا تخلف عن تنفيذ تعهداته.

إن عموم الناس لا يرتاحون إلى ما يتابعونه من صراعات تحت قبّة البرلمان، بل أن تدني الخطاب والتخاطب والتواصل إلى حد البذاءة جعل جانبا كبيرا من الناخبين يندمون على التصويت والمشاركة في الإنتخابات . ولكن يبدو أن هذا لا يقلق كثيرا حركة النهضة و وليدها إئتلاف الكرامة لإعتقادهما أن لهما قاعدة إنتخابية مستقّرة. ولعلّ هذا المعطى هو الّذي يزين للنهضة حظوظها في أي انتخابات قادمة، ويجعلها تُقدم على توخى سياسة الهروب إلى الأمام ولكنها تتجاهل أنها لم تحقق للشعب ما كان ينتظره، لذلك تزايد تقهقر رصيدها الإنتخابي من دورة إلى أخرى، وتعزز رصيد خصومها من يوم إلى آخر. ويبقى الشعب الكريم أمام كل هذا يتابع «عكاضيات» البرلمانيين و يقف على التداخل الّذي أصبح يميز العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والمأزق الّذي تعيشه تونس في هذا النظام السياسي الهجين وفي ظل الإختيارات الإقتصادية الفاشلة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا