بين موسي والغنوشي: الرابحـــون والخــاسرون في حرب الكل ضدّ الكـل

الاستقطاب الثنائي الحاد والمتعادي بين عبير موسي وحزبها الدستوري الحر وحركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي يتفاقم من يوم إلى آخر ويفرض

نفسه كعنصر سياسي أساسي على الساحة وعل كل أطرافها..

يوم أمس بلغ هذا الاستقطاب مستوى جديدا بمطالبة عبير موسي خلال ندوة صحفية نظمتها داخل أروقة مجلس نواب الشعب بسحب التأشيرة من حركة النهضة لأن ملف التقديم تشوبه اخلالات شكلية جسيمة بالإضافة إلى الانتماء العضوي للحركة الإسلامية وقياداتها إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بواسطة جمعية «العلماء المسلمون» التي أسسها يوسف القرضاوي ويقابلها في نفس المستوى وفي الاتجاه المضاد نورالدين البحيري رئيس كتلة حركة النهضة الذي يقول في تصريح إعلامي انه « من سوء حظ عبير موسي أنها وفرت كل الشروط لحل حزبها من خلال رفضها الاعتراف بالدستور وعدم الخضوع إلى القانون والتحريض على الكراهية ..».

لقد بلغ منطق الإقصاء المتبادل مستوى جديدا فمن الإلغاء السياسي إلى الإلغاء القانوني المتبادل ومن حرب الحدود في البداية إلى حرب الوجود اليوم ولمّا يمض على هذه العهدة النيابية سوى سبعة أشهر ونصف.
إستراتيجية الطرفين متضامنة متعاضدة إذ اختار كل واحد منهما عدوه الأساسي وهو يسعى إلى تحويل البقية إما إلى تبعّ أو إلى فيلق خامس تابع لصف العدو ..فلا مكان في معركة الوجود هذه إلى منطقة أخرى أو تموقع مختلف.

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

تجد كل الأحزاب والأطراف والشخصيات المناوئة للإسلام السياسي منذ الثورة –وحتى قبلها– في موقع حرج ، إذ أن جلّها قبل بالوجود القانوني والسياسي لحركة النهضة وكانت حلبة الصراع هي الاختيارات السياسية والفكرية والقيمية المتنازع حولها ..هذه الجهات تجد نفسها اليوم في موضع المقصر ما لم تساند بكل قواها وتصطف وراء معارك عبير موسي فتجدها تزايد في عناصر الصراع مع هذا الخصم وكأنها تريد أن تثبت لنفسها أولا وللرأي العام ثانيا أن معركتها مع الإسلام السياسي سابقة على معركة الدستوري الحر وأن عداءها للنهضة لا يقل جذرية وراديكالية على عداء عبير موسي، ولكن ما لم تصرح هذه الأطراف بوقوفها المطلق مع عبير موسي في كل معاركها فستصنف في أحسن الأحوال كمعارضة مائعة للإسلاميين إن لم نقل متواطئة معهم في الجوهر.

من الجهة المقابلة لا وجود لعنصر توحيد قوي للجبهة الداخلية النهضوية يضاهي قوة ومتانة كوجود عبير موسي وحزبها « الاستئصالي» والذي يذكر القواعد الإسلامية بكوابيس المحن والملاحقات والسجون ،فلا أفضل من تمرير كل صفقات النهضة الداخلية والخارجية من وجود عدو في حجم الدستوري الحرّ والذي يضع حلبة الصراع في مربع الوجود لا في مربع الحدود ..

ووجود عبير موسي بهذا العداء الجذري يضعف كثيرا الأصوات الناقدة للنهضة من داخل ما يسمى بالصف الثوري إذ كيف ننتقد حركة هي الآن الهدف الأساسي لكل قوى «الثورة المضادة» داخليا وإقليميا؟ !

ويبقى السؤال المحيّر قائما : ما هو الأفق السياسي لمعركة الوجود هذه ؟ وما هو الثمن الذي سندفعه جميعا في هذه الحرب المستعرة والمستمرة ؟ وما هو مآل بلاد تنفي فيها أطراف هامة منافسيها لا فقط من ساحة السياسية بل ومن ساحة الوجود القانوني أصلا ؟ هي يمكن أن نؤسس لديمقراطية بشروط دنيا في ظل هذا الاستقطاب الثنائي الحاد والمتعادي ؟ وهل يمكن أن نفكر سويا وبعقلانية في مشاكل بلادنا الجوهرية وهذا الصراع يفرض علينا بصفة تكاد تكون يومية ؟

لاشك لدينا بأن هذا الاستقطاب الحاد يخدم سياسيا طرفي الصراع إذ يقزم خصوميهما ويقضي على مختلف مناطق الوسط وهو يخدم أكثر الحزب الدستوري الحر وزعيمته لأنه سيجعل منهما لاعبين سياسيين أساسيين في تونس اليوم بعدما كانا هامشيين إلى حد ما منذ سنة فقط ولكن يبقى السؤال قائما ومطروحا على طرفي الصراع وعلى كل التونسيين : ماهو الأفق السياسي المقبول وطنيا لهذا التنافي المتبادل ؟ حلّ أحد الحزبين ؟ إرجاع القيادات النهضوية إلى السجون ؟ صراع سياسي مستمر على امتداد سنوات ؟ عنف سياسي في الأفق؟

يخطئ الطرفان ، النهضة والدستوري الحر ، لو اعتقدا بأنه بإمكانهما تمثيل جل المواطنين في هذا البلد حتى وان تمكنا من تصدر المشهد معا ، ولكن تصدرهما سيكون نسبيا وهشا في ذات الوقت وما تجربة نداء تونس عنا ببعيدة رغم توفر عناصر نجاح موضوعية اكبر وشخصية قادرة على التجميع أكثر ولكن النتيجة كانت اندثار احد الطرفين (النداء) وإضعاف مستمر للثاني (النهضة).. فالناخبون ليسوا هم بالضرورة الجمهور الوفي لمختلف الأحزاب ولا يوجد شعب في العالم يريد أن يعيش على وقع صراع حاد ومستمر دون أفق يراه قريبا من مصالحه وقادر على تحسين أوضاعه.
هنالك حماسة مبالغ فيها عند هذين الطرفين وعند كل من يعتقد انه بالإمكان تصفية غريمه الإيديولوجي (النهضة او الدستوري الحر) بالاعتماد على هذه القوة أو تلك.
ما معنى إقصاء جزء هام من التونسيين مهما كانت أخطاؤهم ومهما عظمت من المشهد بالكلية؟

لا جدال في أن الإسلام السياسي كاديويولجيا يمثل خطرا على الانتقال الديمقراطي ولذا كان هدف كل الديمقراطيين هو الضغط المستمر على الحركة الإسلامية لتتخلى بصفة جدية عن كل مقولات التطرف والدغمائية والحاملة بصفة ضمنية لعنف مادي أو معنوي كالحاكمية والإسلام نظام شامل للحياة وهو دين ودولة، عقيدة وشريعة وما يتبع ذلك من مقولات تكفير الحكام او المجتمع ، ولا شك أيضا أن حركة النهضة مازالت لم تتحول بعد الى حركة ديمقراطية محافظة بالكلية ولكن لنكن نزهاء هل تحولت كل الأحزاب الأخرى المنحدرة من تجارب كليانية أو قمعية كاليسار الستاليني أو القومي بشقيه الناصري والبعثي أو الدستوري إلى حركات ديمقراطية مكتملة؟

عناصر التفكير والممارسة الديمقراطية في بلادنا مازالت لم تكتمل عند أطراف عدة ورهاننا ينبغي أن يكون في استكمالها عند هؤلاء جميعا لا في حرب الكل ضد الكل ، لان هذه الحرب وأيا كانت نوايا أصحابها لن تؤدي بنا جميعا إلا إلى انتكاسة ديمقراطية سنكون جميعا ، نعم جميعا ، ضحاياها .
لا إشكال في الضغط والضغط المستمر في السياسة ولا إشكال أيضا في طلب الضمانات من الإسلاميين ومن غيرهم من اجل بناء ديمقراطي وقيم وسلوكيات ومنظومات مكتملة ومتكاملة، لا منقوصة بأي داع من الدواعي ، فالحقوق والحريات كل لا يتجزأ ولكن الضغط شيء والنفي شيء آخر تماما.

لسنا ندري هل ان الدواعي الحقيقية لهذا الصراع الهويي القاتل إنما هي تكتيكية فقط اي تحسين التموقع السياسي ثم التفاوض على أساسه ام هو صراع النفي لأجل النفي فقط ليس إلا .فإن كنا في الصورة الأولى لهان الأمر بالنسبة للبلاد ولاصيب بعض الأنصار بخيبة أمل جديدة أمّا لو كنا فعلا في الصورة الثانية فالدمار هو الأفق الوحيد المكمن ما لم تنبر كل القوى والشخصيات والجهات من مختلف المشارب والتوجهات لتعدل بوصلة البلاد على مشاكلها الحقيقية .

قد يفرح بعضهم بدق طبول الحرب ، ولكن لو حصلت الحرب فلا فرح ولا طبول انذاك..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا