هدفها رئيس الحكومة و «الحزام السياسي» ورئيس الجمهورية وعبير موسي: في معارك النهضة

لو نظرنا إلى تونس من زاوية كائن عاقل من المريخ لبان لنا البون السحيق بين مشاكل البلاد الحقيقية وصراعات الطبقة السياسية.

تعيش تونس أوضاعا اقتصادية صعبة للغاية قد تعصف بأجزاء هامة من نسيجها الاقتصادي وتدفع إلى أتون البطالة ومن ثمة الخصاصة بعض مئات الآلاف من مواطنينا وفي المقابل حروب ضاربة بين مختلف مكونات السلطة والحزام السياسي الداعم للحكومة والمنظومة الحزبية ككل ..وكأن البلاد على وشك انتخابات عامة يتصارع فيها أعداء متناحرون لا يجمع بينهم شيء وهم مستعدون من أجل الفوز أو منع العدو من الفوز أن يهدموا البيت بمن سكن فيه..

يخطئ من يعتقد بأن شبهة تضارب المصالح التي تطال رئيس الحكومة هي سبب كل شيء..بل فقط ذريعة إضافية لدى مختلف المتنازعين من اجل فرض واقع سياسي معيّن.
لن نفهم ما يجري اليوم أمام أعيننا ما لم نضعه في سياق استراتيجيات «التمكين» لأهم الأطراف الفاعلة والتي لا هم لها إلا التخطيط لمعركة الفصل.

لو رمنا تلخيص أهم عناصر الاستراتيجيات المتناحرة أمامنا لقلنا بأننا أمام ثلاثة أقطاب رئيسية كل واحد منها في علاقة تنافر مع الآخرين: النهضة والدستوري الحر وما يمكن أن نصطلح عليه بالقطب الرئاسي والذي يجمع تحت غطاء رئيس الجمهورية كلا من رئيس الحكومة وحزبي التيار وحركة الشعب وبدرجة أقل تحيا تونس والصراع بين هذين الأقطاب الثلاثة هو صراع حدود في أبعاده التكتيكية وحرب وجود في أبعاده الإستراتيجية..

إشترك في النسخة الرقمية للمغرب

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

تدرك قيادات حركة النهضة أن شعبية وبالتالي الوزن الانتخابي للحركة الإسلامية في تراجع منذ سنة 2011، وهي تدرك اليوم أن مراهنتها في الحملة الانتخابية الفارطة على أحزاب الخط الثوري قد سمحت لها بالحد من هزيمتها في الدور الأول للانتخابات الرئاسية وبالتقدم في التشريعية بفضل اندثار الحزب الفائز في انتخابات 2014 نداء تونس وعجز شظاياه المختلفة عن تكوين جبهة موحدة ذات جاذبية دنيا ..ولكن مكونات هذا «الخط الثوري» لن تسمح لها بتعويض الغطاء السياسي الحامي الذي كان يمثله النداء ومؤسسة الراحل الباجي قائد السبسي ..كما أدركت أن جزءا متعاظما من القاعدة الانتخابية للنداء التاريخي بصدد الانزلاق السريع نحو مواقف أكثر راديكالية حول الحزب الدستوري الحرّ وزعيمته عبير موسي .

إن إصرار حركة النهضة منذ إسقاط الحكومة التي اقترحها مرشحها الحبيب الجملي على توسيع «الحزام السياسي» وإدماج حزب قلب تونس (خصمها الأساسي في الحملة الانتخابية) مرده الوحيد هو تحديد مربع التحالف الاستراتيجي للحركة الإسلامية والسعي إلى تقسيم ما يمكن أن نسميه بالخط الدستوري حتى لا يتوحد كله مع عبير موسي ويكون ذلك عدوا مخيفا اليوم وغدا.

ثم إن حركة النهضة تعلم اليوم أن «الصف الثوري» الملتف حول رئيس الجمهورية لا يمكن أن يكون سندا لها في معركة الوجود هذه بل سيسعى عاجلا أو آجلا إلى وضعها تحت ابطه بالاعتماد على الشعبية الواسعة لرئيس الدولة ..

ولكن من حسن حظ النهضة أن هذا القطب الثالث لم يتشكل بعد كخيار سياسي واضح الهوية والعنوان ، وان هذا التشكل ليس بالأمر الهيّن لان قوة رئيس الدولة مستمدة من رفضه لمنظومة الأحزاب وهذا ما سيعسر تحويل الزخم الشعبي الذي يحظى به إلى مشروع سياسي قادر على المنافسة والفوز في الانتخابات التشريعية أو الجهوية .
ثم إن هذا المشروع بالقوة يعيش اليوم أزمة حادة نتيجة شبهات تضارب المصالح المحيطة بأحد أهم رموز بنائه: الياس الفخفاخ ، إذ يقول منطق الأشياء أن احتمال نجاح حكومة الفخفاخ سيكون أفضل منصة لإرساء حركة شعبية تستلهم من الرئيس قيس سعيد برئاسة (؟) الياس الفخفاخ قبيل المواعيد الانتخابية الحاسمة في 2024..

لا نعتقد أن هنالك اتفاقا صريحا على مشروع كهذا ولكن منطق الحياة السياسية يفرضه ، هذا إذا ما أراد كل الملتفين حول قيس سعيد ألا تكون الانتخابات الرئاسية لـ2019 لحظة عابرة بل مؤسسة لقطب سياسي جديد قادر على الاستمرار والحكم وتعويض جزء من الطبقة السياسية الحالية.

هذا المشروع الرئاسي الضامر إلى حدّ الآن لا يقل خطرا على الحركة الإسلامية من المشروع الراديكالي للدستوري الحر والذي يريد إخراج الحركة الإسلامية لا فقط من مربع الحكم بل وكذلك من مربع الشرعية القانونية فالمشروع الرئاسي يقصي النهضة عمليا والمشروع الدستوري الحر يقصيها (كطموح أقصى) من الوجود القانوني ولذا ترى لزاما عليها أن تجهض المشروع الأول في المهد بالاستهداف المستمر للحكومة وآخر هذه المحاولات إعلان وزير النقل بصفة أحادية (؟) عن إقالة الرئيس المدير العام للخطوط الجوية التونسية في تحد يبدو صارخا لصلاحيات رئيس الحكومة وهكذا تنقل حرب «الحزام السياسي «المساند للفخفاخ من أروقة مجلس نواب الشعب إلى قلب الفريق الحكومي ..

إن الخوف الأكبر لحركة النهضة هو نوع من التحالف الموضوعي بين المشروع الرئاسي والمشروع «الاستئصالي» وبذلك تحشر النهضة في الزاوية وتفقد نهائيا كل مبادرة سياسية ممكنة لذلك تراها حريصة شديدة الحرص على التحالف الاستراتيجي مع قلب تونس وإلحاق ائتلاف الكرامة بهذا الثنائي لتكوين جبهة برلمانية صلبة تقترب كثيرا من الأغلبية المطلقة في المجلس (102 نائبا أي بفارق 7 نواب فقط على الأغلبية المطلقة )..

في الأثناء تواصل عبير موسي جني النقاط بفرض استقطاب إيديولوجي حاد غير مسبوق لا هدنة فيه ولا إمكانية لوجود منطقة رمادية ولو صغيرة بينها وبين «تنظيم الإخوان» وهي بهذا تريد أن تقضي على كل تعبير مختلف أو إمكان قيام خيار ثالث لأن الاصطفاف الحدّي ينفي إمكانية «الطرف الثالث» كما هو الشأن في المنطق الكلاسيكي حيث لا مكان مطلقا لحالة بين الصواب (نحن) و الخطأ (هم ).

لاشك أن حسابات النهضة ليست فقط إستراتيجية عامة بل يدخل فيها الشخصي والتكتيكي وخاصة هنا موقع راشد الغنوشي في الحركة ، وبالتالي في البرلمان وفي الحياة السياسية بعد المؤتمر الحادي عشر في نهايات هذه السنة والذي لا يحق له – نظريا – الترشح فيه لعهدة رئاسية ثالثة إلا بتغيير النظام الداخلي للحركة الإسلامية.
والسؤال الأبرز هو هل يريد راشد الغنوشي – وخاصة الدوائر العائلية والسياسية المقربة إليه– الابتعاد الفعلي عن قيادة الحركة أم انه يعتقد أن مستقبله السياسي في البرلمان والبلاد على الأقل خلال هذه العهدة مرتبط أيما ارتباط بتحكمه في خيوط القرار النهضوي سواء أكان ذلك مباشرة بتغيير النظام الداخلي او وبوضع «مدفيديف» على رئاسة الحركة ويبقى هو «بوتين» الحركة الإسلامية ؟

الواضح من كل هذا أن «الاستقرار» لا يخدم أي طرف من المرحلة الراهنة باستثناء صاحب القصبة والأحزاب التي اختارت دعمه بكل قوة الآن أي التيار وحركة الشعب وبدرجة اقل تحيا تونس ..
خيوط اللعبة معقدة ولا احد قادر على المسك بها جميع ..

غني عن القول بأن الخاسر الأكبر في كل هذا هي تونس وأزماتها التي أضحت هيكلية..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا