الترفّق بالديمقراطية الناشئة

جاءت في كلمة رئيس البرلمان في الجلسة المخصّصة لمساءلة الحكومة دعوة إلى «إلى التهدئة وتجاوز التجاذبات.. ذلك أنّ الترفّق بالديمقراطية

الناشئة واجب الجميع» وتأتي هذه الدعوة في أسبوع تصاعدت فيه وتيرة الاحتجاجات، والعنف داخل أسوار مجلس الشعب وخارجه ولم يترفّق فيه المسؤولون عن إدارة المرحلة بالإنسان. ولنا أن نتساءل :هل يستقيم الترفّق بالمصطلحات والممارسات والمفاهيم؟ وأيّهما أولى: الترفّق بمصالح القيادات والأحزاب وأصحاب المصالح أم بالتونسيين، وخاصّة ضعفاء الحال الّذين عيل صبرهم وما عادوا يتحمّلون؟

إنّ «الترفّق» في السير بهذه المرحلة من بناء الديمقراطية الناشئة الذي يدعو إليه رئيس البرلمان، يقتضي بالضرورة إدارة حازمة ترتكز بالأساس على السهر على احترام المشرّعين للقيم والمبادئ والدستور والقانون، وحرصهم الشديد على تعزيز حزمة الممارسات الفضلى وقديما قال أهل اللغة: «رَفَق العَمَلَ : أَحْكَمَهُ، أَتْقَنَهُ». أمّا ما نعاينه اليوم فهو حركة ارتداد، وكلّ رجوع إلى الوراء هو فعل هدم لا تأسيس لأنّه يقيم الدليل على أنّ ‘المتطفلين على السياسة’ لم يقطعوا مع تاريخ المؤامرات والدسائس و’فبركة الملفات’، وهو في الوقت نفسه ،محفّز على المقارنة بين أداء الفاعلين في أوّل المرحلة (المجلس التأسيسي...) وصولا إلى هذا الأداء الرديء والمشوّه للعمل السياسيّ إضافة إلى أنّ الرجوع إلى الوراء حجّة على عجز الفاعلين في المجلس والحكومة(ولا السياسيين) عن ابتكار طريقة مغايرة لـ«صنع» السياسة والتأمّل في ضروبها وفنونها.

وبما أنّ من أحكام الردّة في الإسلام الاستتابة أو القتل فإنّ بعض الواهمين بوجود فرصة لتدارك الأمر، يحلمون بعقد جلسة عامّة لمساءلة النوّاب من المنظمات والهيئات والشخصيات العامّة وغيرها ويدعون رئيس المجلس والنوّاب إلى مراجعة أنفسهم وتقديم الاعتذار للشعب عن الشغب والهرج والمرج والرداءة والصفاقة و...ونحسب أن ترفّق الشعب بنوّابه ومهندسي إدارة المرحلة ومعاملتهم بلين لن يستمرّ إلى نهاية المدّة الانتخابية فمؤشرات الغضب الشعبيّ واضحة للعيان، وإرهاصات تشكّل ردود فعل منفلتة واردة. وليس الحلّ المقترح في سياق مع بعد الجائحة، ووفق المنظور الدعوي/ السياسي أن ندعو الجموع إلى التوجّه إلى الله بالدعاء: «اللَّهُمَّ رِفقًا بعبادك ... اللّهم فرّج كربنا» بل أن تستيقظ ‘الكتلة الصامتة» داخل البرلمان التي بقيت تحت وقع الصدمة وآثرت السلامة أو الانسحاب أو اكتفت بالمشاهدة ، وفي كلّ الحالات هي في نظرنا، متواطئة لأنّها لم تستطع المقاومة والدفع باتّجاه الضغط والمطالبة بالتصحيح. فالمتابع لبعض التدخلات، على قلّتها، يعثر على خطاب عقلانيّ ورؤية مقبولة إلى حدّ ما ولكنّ أصحاب هذا الخطاب الرصين ظلّوا غير مرئيين ماداموا لا يصنعون «البوز» مثل النواب الذين يحترفون البذاءة والشتم... أو يعبّرون عن مشروع «مأسسة التجهيل».

ولا يمكن التغاضي في هذا السياق، عن مسؤولية رفقاء الدرب في ما آل إليه الوضع. فقد آثروا «تعديل» مواقفهم والعدول عن مبادئهم، وفق مواقعهم الجديدة والاكراهات المسلطة عليهم وهكذا صار خطابهم ليّنا تبريريّا :خطاب رفق بحلفاء اليوم يبحث عن الحيل و«المخارج» ولسان حالهم: لنرافق من تجمعنا بهم اليوم المصالح. أمّا رفاق الأمس فيمكن الاستغناء عنهم لزوال السرديات والأيديولوجيات القديمة.

أمّا الكتل النسائيّة فهي بدورها موّزعة تعيش حالة «تشذرم»، وتأبى الخروج عن سياق التبعيّة فلا تطمح في تغيير التمثلات ولا تعبّر عن تصميم النائبات على أن يتحوّلن من نساء طائعات ومنفذات للأوامر إلى نساء يمثّلن قوّة للضغط لتجويد الأداء وطرح البدائل، وكأنّهنّ يطالبن بمعاملة مخصوصة. ومادام العنف سيّد الميدان في مجلسنا غير الموقّر فـ «رفقا بالقوارير» . ولئن شذّت بعضهنّ عن هذا التوجّه فحضرن من موقع فرض القوّة فإنّ أداءهنّ يستنسخ استراتجيات الهيمنية الذكوريّة التي لا تضع في اعتبارها لا الرفق بالإنسان ولا الحيوان ولا الطبيعة.
وما دام الحال على ما هو عليه فملاذنا الأخير في الرفقة الطيّبة : رفقة الدرب والأهل والوطن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا