الأولى إلى دولة أوروبية: ماذا وراء زيارة الرئيس إلى فرنسا؟

يؤدي رئيس الجمهورية غدا الإثنين 22 جوان 2020 زيارة رسمية إلى العاصمة الفرنسية باريس إستجابة لدعوة من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون

وقد صفها بلاغ رئاسة الجمهورية بزيارة عمل وصداقة ستمثل حسب البلاغ الّذي صدر يوم 17 جوان الجاري ،مناسبة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين ومزيد تطويرها كما سيقع خلالها بحث عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

هذه الزيارة سبق الترتيب لها منذ 5 جوان الجاري خلال المكالمة الهاتفية بين الرئيسين والتي تمحورت بالخصوص حول فتح آفاق جديدة لمزيد دعم العلاقات الثنائية وترسيخها، و حول الوضع في ليبيا حيث سبق أن شدد سعيد خلال المذكورة ،على موقفه بأن «يكون الحل ليبيّا- ليبيّا دون أي تدخل خارجي وان تونس المتمسكة بسيادتها كتمسكها بسيادة ليبيا لن تكون جبهة خلفية لأي طرف، مذكرا بأن تونس إلى جانب ليبيا و هي من أكثر الدول تضررا من تواصل المعارك والانقسام ، وجدد سعيد رفضه لأي تقسيم للدولة الليبية.

فالزيارة -إذن- مبرمجة و ليست وليدة المستجدات الأخيرة في الساحة الليبية كما لم تكن على خلفية ما حصل في البرلمان التونسي بخصوص لائحة مطالبة فرنسا بالإعتذار لتونس عن جرائم الإحتلال الّتي سقطت عند عرضها على مجلس نواب الشعب يوم 9 جوان الجاري لعدم توفر الأغلبية المطلقة لتمريرها .
هذه اللاّئحة سبقتها لائحة إعلان البرلمان التونسي عن رفض التدخل الخارجي في ليبيا الّتي تم عرضها على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب يوم 3 جوان الجاري والتي لم تحصل -بدورها- على الأغلبية المطلقة.

و لكن قد تكون مستجدات النصف الأول من شهر جوان الجاري هي الّتي عجّلت في تحديد موعد الزيارة ، الّتي أصبحت محط أنظار التونسيين و كذلك الدول المعنية بالنزاع الدائر بين الفرقاء في ليبيا، خاصة إذا علمنا أن الزيارة كانت مبرمجة إلى ما بعد انتهاء جائحة كورونا العالمية.
لذلك يمكن اعتبار تحديد موعد زيارة الغد مفاجأة للسلطة التنفيذية في تونس نظرا إلى أنها لم تعبر بعد عن موقفها من اللائحتين المتعلقتين بالسياسة الخارجية لتونس رغم دخول موضوعهما ضمن صلاحيات رئاسة الجمهورية الّذي كانت مخاطبته للشعب في الأيام الأخيرة أكثر من منتظرة في الدّاخل وفي الخارج.

لذلك من المتوقع أن تكون النقطتان الأخيرتان في جدول محادثات الرئيسين بطريقة أو بأخرى لما لذلك من تداعيات على العلاقات الثنائية والدولية، و لعل تقارب وجهات النظر بخصوصهما كفيل بتدارك تبعات المواقف «الطفولية» الّتي مست من الثوابت الّتي عرفت بها الدبلوماسية التونسية ،خاصة و أن سعيد سبق أن أكّد على رفضه للتدخل الخارجي في ليبيا واعتبر أن الحل يجب أن يكون ليبيا - ليبيا.

هذا التدخل الّذي تغذيه أطماع كل القوى المهيمنة أصبح مشهودا و أدى إلى حصول تبادل تهم بين تركيا و فرنسا حيث اتهمت هذه الأخيرة تركيا بانتهاك الحظر على السلاح في ليبيا وبالتصرف بعدائية مع شركائها في الحلف الأطلسي على خلفية اتهام البحرية التركية بالتعدّي على سفينة حربية فرنسية كانت تقوم بهمة للحلف الأطلسي عند محاولة الإقتراب من قطع بحرية تركية قبالة السواحل اللّيبية تشتبه فرنسا في نقلها لمعدات حربية.

إن الوضع في ليبيا يهم تونس أمنيا وعسكريا و إقتصاديا بحكم علاقات الجوار، شأنها شأن الجزائر، ولفرنسا مصالح في ليبيا مما يجعلها تسعى إلى التنسيق والتشاور مع دول الجوار بإستعمال كل الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية، خاصة وأنها لا تنظر بعين الرضا للدور المتعاظم لتركيا الدّاعمة للسراج الّتي أبرمت مع حكومته معاهدة تخوّل لها التدخل المباشر في الأراضي الليبية ، كما تنظر بنفس العين للعلاقات التي ينسجها حزب حركة النهضة مع الماسكين بالسلطة في تركيا والّذي تجاوز الشأن التونسي التركي ، ليصبح له إمتداد واصطفاف في الأحلاف الإقليمية، وقد ازداد وضوحا بعدم تصويت نواب النهضة ضد التدخلات الخارجية في ليبيا.

أمام هذه الرقعة المتشابكة في الشؤون الخارجية و إكراهات العلاقات الإقتصادية الثنائية بين تونس وفرنسا و إملاءاتها ، وأمام الوضع غير المستقر في ليبيا والذي له تداعيات أمنية و إقتصادية ، سيكون لقاء الرئيسين في باريس مهمّا في توضيح المواقف و في التشاور حول المصالح المشتركة في الحاضر وفي المستقبل، وهو ما سيجعل الزيارة ذات أبعاد هامة على مختلف الأصعدة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا