المدخل الأول لكل إصلاح: ترفّع أهل الحكم عن كل الشبهات

غريب ما حصل مع رئيس الحكومة الياس الفخفاخ خلال هذه الأيام الأخيرة فبعد إقراره بامتلاك أسهم في حدود %20 في شركتين أو ثلاث خلال الحوار

الذي أجراه مع الزميل بوبكر بن عكاشة يوم الأحد الفارط وانه لا وجود لأية شبهة لتضارب المصالح رغم اشتغال هذه الشركات مع الدولة إلى إعلانه يوم أمس بواسطة الوزير العياشي الهمامي من شروعه في التفويت الفوري في هذه الأسهم والحصص وفي الأثناء كشف النائب ياسين العياري عن وثائق تثبت عدم دقة هذه التصريحات وأن الياس الفخفاخ يملك ثلثي الأسهم في شركته وأن المجمع الذي تم إنشاؤه لا يشتغل إلا مع الدولة فقط ثم مراسلة العميد شوقي طبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ورئاسة الحكومة مشيرا إلى وجود تضارب مصالح جلي وأنه على رئيس الحكومة تسوية هذه الوضعية ..

وجوه الغرابة في كل ما حصل لها مصادر ثلاثة:

- عدم دقة اليالس الفخفاخ في إجابته عن هذا الموضوع يوم الأحد الفارط فهو يقول انه يمتلك أسهما في شركتين أو ثلاث وكأنه لا يدرك بالضبط عدد الشركات التي يشارك فيها بجزء من أمواله ثم يقول بأن نسبة هذه الأسهم لا تتجاوز حدود %20والحال انه يملك ثلثي الأسهم في إحدى هذه الشركات وأن هذه الشركة تساهم بحدود %35 في هذا المجمع بما يجعل حدود مشاركته وعوائده في حدود %23.
ثم هو لم يقل لنا بأن هذا المجمع لا يشتغل إلا مع الدولة فقط وحتى لو تم الاتفاق على هذه الصفقة قبل توليه رئاسة الحكومة إلا أن مواصلتها الآن فيه تضارب مصالح واضح وفاضح

- وجه الغرابة الثاني هو عدم إدراك الياس الفخفاخ منذ البداية انه لا يمكنه البتة الجمع بين هذه الأسهم وإدارة شؤون الدولة وان حكومة الوضوح لا يمكنها أن تغرق في مناطق الوحل الرمادية مهما كانت التأويلات و«الشروح».

- أما وجه الغرابة الثالث ، وهي كارثة عظمى نعاني منها منذ عقود في بلادنا ، هو عدم قيام من يستشارون بالدور المنوط بهم وهو تقديم الاستشارة الفعلية تقنيا وقانونيا وسياسيا وانزلاقهم الطبيعي ، مع الياس الفخفاخ في وضعية الحال وقبل ذلك في جلّ الأحوال، إلى تبرير أفعال الحاكم والعزف على هواه وتزيين الشٌّبَه له باعتبارها مسائل عادية جدا وتأويل النصوص القانونية بما يخالف روحها وقصد المشرع منها فتصبح استشارتهم كارثة على من يستشيرهم وعلى البلاد ككل ..كيف لم يجرؤ احد منهم على القول: سيدي رئيس الحكومة حتى وإن وجدنا تأويلا قانونيا يسمح لك بامتلاك هذه الأسهم فالمسؤولية السياسية وأخلاق العمل السياسي تفرضان عليك التفويت فيها بالكامل ولغير أفراد عائلتك وأصدقائك والمقربين منك شخصيا أو عائليا أو سياسيا حتى لا يبقى من اثر لوجودك في هذه الشركة..كيف لا يجرؤ احد من هؤلاء على قول مثل هذا خدمة لمن طلب منه الاستشارة؟!

فلو لم يشتغل من استشير كبطانة للحاكم لتجنّب الياس الفخفاخ الوقوع في هذا المطب ولجنّبنا بذلك الشكوك الإضافية الموضوعية حول مثالية (l’exemplarité) أهل الحكم الحاليين.

جيّد أن الياس الفخفاخ لم يصّر على الخطأ وعمد إلى الصواب وكل ما نرجوه ألا يزين له احدهم تفويتا مزيفا لهذه الأسهم كأن يبيعها إلى احد أقاربه أو أصدقائه وان يكون التفويت حقيقيا يقطع كل صلة من قريب او بعيد بين رئيس الحكومة وهذه الشركة وكل شركة اقتصادية مهما كان حجمها ومجال نشاطها ..
ونحن نعلم أيضا أن هنالك وزراء آخرين يمتلكون بدورهم أسهما في شركات اقتصادية أسسوها أو ساهموا في رأس مالها والحكمة تدعوهم اليوم قبل الغد الى أن يفوتوا تفويتا كليا وحقيقيا في كل هذه الأسهم والحصص حتى تتأسس فعلا بداية الثقة بين الحاكم والمحكوم ..
لا نريد أن نقسو كثيرا على رئيس الحكومة ولا أن نلغي كل شيء، من أجل هذا الخطإ..

فهوى النفس غلاّب كما يقال ولا ينجو منه احد حتى لو كان من الأنبياء والصدّيقين ولكن الحرص على مثالية التصرف والابتعاد عن كل مناطق الشبهات مسألة أساسية في حكم الناس اليوم ، فدونها لا ثقة ولا إصلاح ولا إنقاذ ..
فلا شيء يضاهي في الحكم القدوة الحسنة ومحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين ثم وثم وثم ان يحيط الحاكم نفسه بمن يكشف له عيوبه لا بمن يزين له نزوات النفس وهذا لا يعني بالطبع التقليل من أهمية التركيز على الكفاءة العالية للمستشار ..
بلادنا تعيش أزمة أخلاقية وقيمية بالمعنى العميق لمفهوم الأزمة وبداية الإصلاح تمرّ حتما من هنا ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا