مجلس الشعب و«التسويق» لثقافة العنف

يُمَكّننا تحويل «مجلس الشعب» لدورة 2019 إلى موضوع للتحليل من رصد مواطن الاختلاف ومواطن الائتلاف

بين المجالس السابقة وهذا المجلس، من حيث مستوى التسيير والأداء واحترام القانون والسلوك والخطابات وأشكال الحضور، والممارسات وغيرها إضافة إلى استجلاء الديناميكيّة الجديدة. ولعّل أهمّ ما يسترعي انتباه المتابع لأغلب هذه الجلسات ارتفاع منسوب العنف حتى صار الانطباع العامّ لدى الجمهور أنّ ما يجري لا يمتّ بصلة للفعل السياسيّ، وهو أمر يستوجب مقاطعة الجلسات «السامّة» حماية للنفس من الشحنات السلبية والإحباط.

فما الرسالة الموجّهة للناس من وراء هذه المشاحنات في سياق نفسيّ متأزّم بات فيه التونسيون يواجهون أشكالا متعدّدة من العنف الاقتصادي والسياسي وغيرها؟ وقديما قال الشاعر:

إذا كان رب البيت بالطبل ضاربا ... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ولئن دعت الجمعيّات النسويّة والحقوقية إلى تحفيز النساء على المشاركة السياسية وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص فإنّ السمة المميزة للمشاركة النسائية في مجلس الشعب الجديد، هي انخراط النساء أكثر فأكثر في ممارسة العنف اللفظيّ والرمزّي لاسيما بعد بروز منافِسة لسامية عبوّ وهي عبير موسي. ومن المهمّ الانتباه في هذا الصدد إلى الوشائج بين أداء النائبتين ونظام التمثلات. فهل ساهم هذا الثنائي في زحزحة المنمّطات الجندرية وإرباكها بما يخدم مصالح النساء المطالبات بالمواطنة التامة والمساواة وغيرها من القيم أم أنّه عمل بقصد أو عن غير قصد، على ترسيخ التمثلات الاجتماعيّة والدينية والرمزية التي تحاصر الفتيات والنساء فتمنعهن من الفاعليّة؟
إن نظرنا إلى المسألة من زاوية اجتماعية فالمتوقّع من النساء ثقافيّا هو أن يكنّ ليّنات وخجولات وسلبيات، وخانعات، وصبورات...ورمزّيا «باردات» وغير مرئيات ولكنّ هذا الثنائيّ استطاع أن يزحزح هذه التمثلات فإذا بالنائبة فاعلة وجريئة ومواجهة ومتحدية...أي ذات حضور «حارّ». وكان بإمكان هذا الأداء أن يكرّس أنموذج «السياسيّة القدوة» صاحبة الرؤية، والبرنامج المغري والخطاب الجديد الذي يتجاوز العنف اللفظي والسلوك القائم على إحداث الهرج والمرج والتموقع وفق النظام الاستقطابي (نحن/هم) ليرسم معالم توّجه بكر في السياسة ويحفّز الجموع على الالتفاف حول هذا الحزب لا باعتباره يعد باستئصال النهضة بل لأنّه تمكّن من ابتكار البدائل، واستطاع أن يغري الناخب، لا بفرض علاقات القوّة والتسلّط بل بالأفكار والتصوّرات المستقبلية التي يطرحها للنقاش.

ولا يذهبنّ في الاعتقاد أنّ هذه الزحزحة نجحت في تغيير التمثلات في العمق فما إن تمادى الثنائي في استعمال العنف اللفظي حتى عاد إلى إحياء مجموعة من التمثلات والاستعارات التي تقرن من كانت سليطة اللسان بالشرّ والأذى والعهر والوقاحة والاسترجال، والشيطان والحيّة، والكلب، والذئب و«الفرسة»... ولا يقتصر استحضار هذه التمثلات على الخصوم فحسب. فالمتابع لمختلف التعليقات أو عناوين المقالات الصحفية يتفطّن إلى أنّ أتباع هذه النائبة أو تلك يحلو لهم بناء صورتها من خلال ربطها بالهوية الذكورية أو القيم المعيارية الذكورية والاستعارات التي تنسب في الغالب للرجال. فسامية عبّو «رجلة» ... أمّا عبير موسي فهي «فحلة» «أسد» و... وهكذا يترتّب عن تفعيل المتخيّل الذكوريّ مزيد ترسيخ التمثلات

الاجتماعيّة.

ولكن ما الرسالة الموجّهة إلى المجتمع من خلال أداء هذا الثنائي؟
يثبت الترويج لهذا الأنموذج أنّه لا مكان للمرأة في عالم السياسية إلاّ من خلال محاكاة الأنموذج الذكوريّ، واللجوء إلى العنف، وأنّ دخولها لم يستطع الحدّ من هذه التمثلات أو تغييرها.
أمّا استعمار الشعارات وصور الشخصيات/الرموز، والقمصان التي تحمل الشعارات، والاعتصام وغيرها من العلامات السيميائية وأشكال النشاطية في المجلس الجديد فإنّها تعدّ حجّة على أنّ للمعركة السياسية فضاءات متنوعة و«تقنيات» واستراتيجيات مختلفة فإذا منع الرئيس الكلمة فللنواب طرق أخرى في التعبير، وإذا عرض الخصم رموزه واجهه خصمه برموز مستفزّة. وكأنّ شعار القوم «تورّي نورّي» .

وعندما يتحوّل مجلس الشعب إلى فضاء للترويج لثقافة العنف و«التطبيع» مع المعنّفين فلا تسأل عن قيمة التشريعات والقوانين والسياسات المناهضة للعنف، ولا تستغرب لِم تحوّل «سيّب السروال» إلى موضوع للنقاش.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا