أمام تعكر المناخ البرلماني: أين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من كل هذا ؟

في الوقت الّذي يعرف فيه مجلس النواب الشعب غليانا مصحوبا بزوابع، يبدو المشهد في رئاستي الجمهورية والحكومة ، «هادئا»

و كأنهما غير معنيتين بما يحدث، و ذلك رغم اللاّئحتين اللّتين كانتا مصدر مواقف «طفولية» متصلة بالدبلوماسية التونسية وسياستها الخارجية.

لقد كان رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي الخريجي ، الحامل لمظلتي رئاسة حركة النهضة و رئاسة البرلمان ، في واجهة الأحداث، وهي واجهة يجد راحته فيها على خلفية الصورة الّتي أراد أتباعه تسويقها لشخصه في المشهد السياسي التونسي منذ حلوله بتونس بعد جانفي 2011 .
لذلك يندرج ترتيب حيازة الغنوشي لرئاسة مجلس نواب الشعب، قبل مؤتمر حزب حركة النهضة الّذي يفترض ألا يجدد له الرئاسة، في إطار الحرص على عدم مغادرة «الزعيم» لمركز الإهتمام الأوّل . هذا المركز الّذي زيّن له أن يتجاوز صلاحياته ، و يتخذ مواقف في شأن يتعلّق بدبلوماسية البلاد و علاقاتها الخارجية دون إستشارة مجلس نواب الشعب أو مكتبه.
هذه المواقف الفردية بخصوص شأن يهم الدولة، كانت مصدر ردود فعل غاضبة من رئاسة الجمهورية حيث أكد رئيس الجمهورية على وجود رئاسة واحدة مع إصدار تلميحات عن إعداد مشاريع لمزيد تنظيم الحياة السياسية.

كما نشأت عن هذه المواقف اختلافات بين الكتل البرلمانية أدت إلى ردود فعل انتهت إلى إحداث شرخ في الإئتلاف البرلماني ، و أدت إلى ظهور بوادر تصدع في جدار الإئتلاف الحاكم الّذي يترأسه إلياس الفحفاخ ، الّذي خفت صوته وظهر في موقف المتفرج على طريقة تحديد مصيره ، ومنشغلا بما أسند إليه من مهام «تشريعية» في شهري الحجر الصحي.
إن عدم صدور ردود فعل من رأسي السلطة التنفيذية في الفترة الأخيرة - الّذي لم يستسغه الرأي العام- لا تحكمه نفس الأسباب . فعدم تدخل رئيس الجمهورية لا يمكن أن يكون بسب غياب آليات التدخل الّتي يمنحها له الدستور في كل ما يتعلّق بالأمن القومي و السياسة الخارجية للبلاد ، و إنما قد يكون ناجما عن تقدير عدم جدوى التدخل والظهور في غمار الغوغائية الّتي عمت الأوساط البرلمانية والإعلامية. إذا كان ذلك فعلا الدافع إلى ملازمة الصمت ، فإن ذلك مبرّرٌ بحكم الحرص على أن يكون صوت رئيس الجمهورية منفردا ، ليُسمع و ليتميّز، بعيدا عن الصخب ، لذلك من المنتظر أن نسمع صوت الرئيس قيس سعيد في القريب العاجل ، ليقف الجميع على رد فعله وعلى موقفه من كل المستجدات الأخيرة .

أمّا عن سبب غياب تدخل رئيس الحكومة في الآونة الأخيرة ، فإن مرد ذلك ، يعود لحساسية موقفه في ائتلاف لا يملك كل مفاتيحه ، ولعدم وجود حزام لحكومته يتحكّم في خيوطه، و قد يكون لتخوّف من إشهار ورقة سحب الثقة بعد توفر الإمكانية القانونية لذلك ، خاصة في ظل تصريح زعماء النهضة بالرغبة في إدخال تعديلات على تركيبة الحكومة وتغيير تشكيلة الإئتلاف بدعوى تطبيق حقيقة التمثيلية المؤسسة على نتائج الانتخابات.

لم يكن هناك مجال لتعداد هذه الأسباب لو كنا إزاء نظام سياسي سليم المبنى يحتكم إلى دستور منسجم في أحكامه، ولو كنا في ظل رئاسة حكومة قادرة على إملاء شروطها قبل تكليفها وماسكة بمختلف الآليات الدستورية المتوفّرة ومالكة للقدرة والشجاعة على تفعيلها، وذات إرادة وقدرة حقيقية في فرض مواقفها وبرنامجها، أو الإنسحاب.
نقول هذا لأن الدستور التونسي يمنح رئيس الحكومة صلاحيات واسعة و متعدّدة، فله أن يضبط السياسة العامّة للدولة و أن يسهر على تنفيذها (الفصل 91 من الدستور)مع مراعاة ما يدخل في اختصاص رئيس الجمهورية بخصوص تمثيل الدولة وضبط السياسات العامة في مجلات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي (الفصل 77 من الدستور ).
فضلا على ذلك لرئيس الحكومة إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها بعد مداولة مجلس الوزراء و يدخل في اختصاصه كذلك إقالة عضو أو أكثر من اعضاء الحكومة أو البت في استقالته إلى غير ذلك من المهام الّتي عددها الفصل 92 من الدستور.

إن ما يحدث من تأرجح بين الغوغائية والصمت، يكشف عن غياب المنهجية وتواصل السياسة التجريبية بدليل بروز الموقف و نقيضه في أسرع وقت ،و كثرة القرارات والتراجع عنها ، من ذلك ما نتابعه من بوادر التراجع عن تعديل الحكومة أو توسيعها في الظرف الراهن على الأقل، وسهولة الرضوخ إلى الضغوطات و إلى كثرة المساومات ، من ذلك ما يحدث من متغيرات في مواقف الأحزاب الإئتلاف و خارجه، و تمديد اللّعب في الوقت بدل الضائع لتحقيق الأهداف ، من ذلك إصرار رئيس حركة النهضة على مسك كل الخيوط رغم ضعف قدراته على الاضطلاع بذلك ،ممّا يتيح تدخل الدوائر القريبة والمقربة منه ستكون الساعات القادمة مفتوحة على كافة المستجدات وبوادر التهدئة و الانفراج في المناخ السياسي، ما تزال خارج نطاق التوقع....

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا