بعد إتساع لفيف معارضي النهضة: بداية تفكك المسارين في البرلمان والحكومة

كشف فشل إمضاء «وثيقة التضامن الاجتماعي» من طرف أحزاب الائتلاف الحكومي للمرة الثالثة وتأجيل ذلك إلى أجل غير مُسمّى عن التصدّع

الّذي أصاب الجدار الهش للائتلاف الحاكم. كان هذا إثر إعلان رئاسة الحكومة أول أمس الجمعة 6 جوان 2020 عما أسفر عنه الإجتماع الذي إلتأم لوضع اللمسات الأخيرة للوثيقة الّتي كان من المزمع إمضاؤها لتكون «الإلتزام» الّذي سيحكم مسار حكم الإئتلاف في المستقبل.

ويعود مردّ هذا التصدع إلى القطرة الّتي أفاضت كأس النهضة عند تصويت «حركة الشعب» (14 مقعدا في مجلس نواب الشعب) لفائدة لائحة رفض أي تدخل عسكري في ليبيا و إمضائها على عريضة سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب راشد الخرجي الغنوشي، بمعية بقية الكتل النيابية الرافضة لتفرد الغنوشي بإتخاذ قرارات ملزمة لكل مكونات مجلس النواب.
والجدير بالذكر أن تشكيل الإئتلاف البرلماني - الحكومي ،تمّ منذ البداية على أساس اتفاق مبدئي تشاركي في الحكم ، بناء على إكراهات تجاوز أزمة تعيين رئيس الحكومة في ظرف زمني ضيّق تدخل فيه رئيس الجمهورية لتعيين الفخفاخ رئيسا للحكومة، وقد كان هذا الخيار مفتوحا على تغييرات منتظرة لتدعيم مواقع حركة النهضة في الحكومة والمناصب العليا في الدولة و الإدارة، خاصة بعد أن سوّقت -واهمة- بأنها الحزب الأقوى في البلاد.

لم تكن حركة الشعب مرتاحة - في الحقيقة - لتصرفات النهضة الراغبة في مزيد التغوّل على حساب البقية، ولم يكن يغيب عنها سعي قيادة النهضة إلى تغيير التوازنات في الحكومة بما يضمن لها عدم إنفراط أي حبّة في عقد الائتلاف بما يمكنها من قيادة القاطرة حاضرا و مستقبلا ، من ذلك إعادة توزيع الأوراق بإلحاق جزء من نواب حزب «قلب تونس» بصفّها، بأي شكل من الأشكال ،و ذلك بعد ضمان انقسام صفوفه.

كانت حركة النهضة وفية لخططها في تقسيم معارضيها لتيسير إقتناص النواب المنفردين أو الغاضبين أو الذين تملك بعض ملفات لمساومتهم، و الدليل على ذلك ،عدم مشاركة أكثر من 20 % من النواب في التصويت على اللاّئحة مع إحتفاظ 7 نواب بأصواتهم ، ويعد ذلك تصويتا ضمنيا لفائدة النهضة. هذه الوسيلة المتكرّرة في تقسيم الخصوم لضمان السيطرة على المشهد السياسي، أعطت أكلها إلى حد الآن، وقد اقتنعت أغلب الأطراف السياسية ببؤس مصير كل متحالف مع النهضة، وهو أمر كشفته كل التجارب السابقة - منذ التأسيس إلى اليوم- . كما انكشفت للجميع وسائل تلاعب النهضة بالمشهد السياسي إثر الانتخابات الأخيرة بعد فشلها في كسب الأغلبية المريحة في مجلس نواب الشعب، بسبب تشتت الأصوات و إفتكاك قلب تونس والحزب الدستوري الحر وبقية الأحزاب غير المضمونة ، لجانب كبير من المقاعد المؤثرة في السلطة التشريعية.

كان هذا التلاعب صارخا عندما استغلت النهضة في مرحلة أولى ،كتلة قلب تونس للحصول على رئاسة المجلس، ثم تركته لمصيره وقبلت باستبعاده من الحكومة في مرحلة ثانية ،ثم ها هي تعود مجدّدا ،في إطار البحث عن تعزيز الحزام حول الحكومة، إلى اعتماد وسائل الترغيب والترهيب، بالتلويح بإعادة تشريكه في السلطة في خطط بعضها جلي وبعضها الآخر يقع الترتيب له في الخفاء. هذا التلاعب كشف عن إنتهازية سياسية «مُقرفة» و عن تناقض مشهود عندما رفضت النهضة في فترة الحوار حول تشكيل الحكومة ،ربط المسار البرلماني مع المسار الحكومي، ثم نراها اليوم تسعى إلى ربط المسارين، أمام رفض صريح لذلك من طرف حركة الشعب. كما لا يخفى أن النهضة استغلت غياب مواقف حاسمة لرئاسة الجمهورية فيما يدخل ضمن إختصاصاتها الدستورية، وقد اعتبرت ذلك نقطة ضعف يجب الاسراع في إستغلالها خاصة في العلاقات الخارجية وسياسة المحاور، وهو ما قادها إلى ارتكاب أخطاء انتهت إلى مساءلة زعيمها رئيس مجلس نواب الشعب ، الّذي لم تعد تخفى شراهته في التفرد بالسلطة.

لقد كان من المتوقع أن يحصل تصدّع عند حصول خلافات في تطبيق برنامج الحكومة أو عند نشوب خلاف حاد مع مكونات الإئتلاف الحكومي أو مع رئيس الحكومة ، و لكن لم يكن من المتوقع أن تسقط قيادة النهضة في أخطاء بدائية بسبب سوء تقدير ردود فعل المجتمع السياسي خاصة في موضوع يهم الديبلوماسية التونسية و ثوابتها الّتي عُرفت بها، وكذلك في سوء تقدير وزن شركائها السياسيين و كذلك خصومها .

هكذا لم تخسر النهضة حركة الشعب فقط بل قد تخسر « العلاقة التشاركية » الّتي جمعت بين حركة الشعب والتيار الديمقراطي والتي كانت ركيزة هامة في الائتلاف الحكومي، كما خسر الغنوشي كثيرا من اعتباره داخل حركته و خارجها، و هو أمر كشفت عنه استطلاعات الرأي بخصوص شعبيته لدى عموم الناس.

لم تمر اللاّئحة المُدينة للتدخل العسكري في ليبيا -كما سعت إلى ذلك النهضة- ولكن تخطئ هذه الأخيرة ، حين تسوّق لسقوط المقترح على أنه نصر لها ولحلفائها، لأن تمرير اللاّئحة لا يعدّ هدفا في حد ذاته ، بل كان من الأفضل ألاّ يطرح بتلك الشاكلة لاعتبارات دبلوماسية أيضا، ولكن بما أن الأمر حصل ، فإن الائتلاف الجديد الّذي تشكّل بمناسبة التصويت على المشروع ، يكشف عن جدية إمكانية تغير الموازين داخل البرلمان وهشاشة الإئتلاف البرلماني والحكومي في نفس الوقت. لذلك ستكون الخلافات مرشحة للاتساع بعد أن كشفت النائبة نسرين العماري عن إخفاء ديوان رئيس مجلس النواب ، لمراسلة من برلمان طبرق إلى البرلمان التونسي.

ما حصل يُنبئ ببداية بناء تكتل جديد ضد النهضة، و لو كان ذلك في قضايا معيّنة، ويبقى رهان نجاحه مرتبطا بمدى متانة الثقة الّتي ستسود العلاقة بين الأطراف المختلفة مع رؤى النهضة وتوجهاتها الاستراتيجية ، و بكيفية طرق العمل الّتي سيقع توخيها و مع مدى تفاعل رئاسة الجمهورية مع المستجدات و المتغيرات التي تشهدها تونس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا